فهرس الكتاب

الصفحة 22837 من 28557

سابعًا: أن الله يُخصص في بعض السياقات الأنبياء والصحابة تنبيهًا إلى دخول غيرهم من باب أولى في الحكم، وهذا أسلوبٌ شرعي كثير في الأحكام تنبيهًا إلى أنه لمّا دخل الأعظم والأجل فغيره أولى، لهذا قال صلى الله عليه وسلم في بيان الحدود: (لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها) وقال في تحريم الربا: (أول ربا أضع ربا عمي العباس) وقال في تحريم دماء الجاهلية: (أول دم أضع دم ابن ربيعة ابن عبدالحارث بن عبدالمطلب) وربيعة ابن عم النبي.

ثامنًا: لو قلنا بالخصوصية، فخصوصية النبي صلى الله عليه وسلم من باب أولى في المواضع التي يتوجه الخطاب إليه، لمزية له ليست في أحد من الأتباع، فالآيات التي يُخاطب بها النبي عامة له ولغيره، مع كون الخطاب خاصًا به ليس بمشتركٍ بالمقابلة مع المؤمنين كما هنا: (أطهر لقلوبكم وقلوبهن) .

فهل الدخول في البيوت بلا استئذان جائز لخصوصية النص بالنبي هنا: (يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم ... ) .

وهل السراح والطلاق يُمنع لخصوصية أزواج النبي به في القرآن: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا) .

وهل من تريد الله ورسوله من النساء لا تدخل في استحقاق الأجر العظيم، كما جاء في سياق نفس آيات الحجاب الموجهة لأمهات المؤمنين: (وَإِنْ كُنْتُنَّ - أي يا نساء النبي - تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا) .

تاسعًا: دفع فهمَ الخصوصية في آيات الحجاب غيرُ واحد من مفسري السلف كما رواه عبدالرزاق في تفسيره عن معمر عن قتادة قال: لما ذكر الله أزواج النبي صلى الله عليه وسلم دخل نساء المسلمات عليهن فقلن: ذُكرتن ولم نذكر، ولو كان فينا خير ذكرنا، فأنزل الله: (إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ) .

عاشرًا: أن المفسرين يطبقون على هذا الأمر على اختلاف مشاربهم ومذاهبهم، قال الجصاص الحنفي (5/ 242) : (وهذا الحكم وإن نزل خاصًا في النبي صلى الله عليه وسلم وأزواجه، فالمعنى عام فيه وفي غيره) .

وقال القرطبي المالكي (14/ 227) : (في هذا الآية دليل على أن الله تعالى أذن في مسألتهن من وراء حجاب في حاجة تعرض، أو مسألة يستفتين فيها، ويدخل في ذلك جميع النساء بالمعنى) .

وإلى هذا نص ابن جرير، وابن كثير وأئمة التفسير.

حادي عشر: سبب تخصيص أزواج النبي صلى الله عليه وسلم لمزيد تشديد عليهن لأن أمرهن يمس النبي عليه الصلاة والسلام، فمعلوم أن حفظ العرض يُقدّم في بعض الأحوال على حفظ الدين اهتمامًا به، فيسوغ أن تكون زوجة نبي من أنبياء الله كافرة كامرأة لوط وامرأة نوح، لكن لا يُمكن أن تقع في الزنا والله يعصمهن من ذلك، لأن الزنا أذيته مُتعدية للزوج وعرضه، فمن يبقى مع زانية وهو عالم ديُّوث في الشرع، بخلاف من يبقى مع كافرة، لهذا أجاز الله زواج اليهودية والنصرانية بقوله: (والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب) وحرم نكاح الزانية ولو مؤمنة: (الزانية لا ينكحها إلا زان أو مُشرك) ، وقال: (الخبيثات للخبيثين) ، وأُمهات المؤمنين قدوة والتشديد عليهن أولى: (يَا نِسَاء النَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا) ، مع أن تحريم الفاحشة على جميع النساء، ولكن لنساء النبي مزيد تشديد وهو في الحجاب وفي الاختلاط والفاحشة سواء، ولتمام عدل الله ورحمته بهن فهن في باب الثواب أعظم من الصحابيات فضلًا عن نساء الأمة في الإثابة على العمل: (وَمَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُّؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا) .

وحينما ذكر المضاعفة في العقاب والثواب دل على أن بقية النساء على إثم وثواب ولكن لا مضاعفة.

ثاني عشر: لو كانت الخصوصية في منع الاختلاط بأمهات المؤمنين، فمَن المَعني بقوله صلى الله عليه وسلم: (ليس للنساء وسط الطريق) ، وبقوله: (خير صفوف النساء آخرها) يعني البعيدة عن الرجال، ولماذا جعل النبي للنساء يومًا خاصًا يعلمهن العلم بعيدًا عن مجالس الرجال كما في تقدم.

ولماذا عمل الخلفاء الراشدون بتلك النصوص، وفرّق عمر بين الرجال والنساء وكذا علي بن أبي طالب وعثمان، والأئمة الفقهاء من الأئمة الأربعة وأتباعهم من كل البلدان وجميع القرون هل فهموا القرآن على غير وجهه، وفهمه أهل القرن الحادث، وقد بينت أقوالهم ونصوص الوحي في ذلك في رسالة (الاختلاط تحرير وتقرير) .

قال تعالى: (ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا) .

وقد أخرج مسلم في"صحيحه"عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"يكون في آخر الزمان دجالون كذابون يأتونكم من الأحاديث بما لم تسمعوا أنتم ولا آباؤكم فإياكم وإياهم لا يضلونكم ولا يفتنونكم".

والله المؤيد والمسدد ..

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت