فهرس الكتاب

الصفحة 25016 من 28557

ـ [أبو الطيب المتنبي] ــــــــ [12 - May-2010, صباحًا 06:14] ـ

قال الأستاذ أحمد أمين:"نشر الأستاذ محمد كرد علي جزأين من مذكراته ضمَّنها ترجمة حياته، وهي حياة طويلة حافلة؛ فقد عاش الأستاذ في أوساط مختلفة، ورحل رحلات كثيرة في الشرق والغرب، وانغمس في السياسة واكتوى بنارها، واشتغل بالصحافة مدة طويلة، والصحافة من أكبر المدارس في معرفة الحياة وألوانها، وصادق كثيرًا من رجال الأدب، والسياسة والعلم، والمال والأعمال، وخبرهم وأطال عشرتهم، وعمَّر بحمد الله عمرًا طويلًا، فقد ذكر في مذكراته أنه في عشر الثمانين، وتقلب في مناصب كبيرة حتى كان وزيرًا أكثر من خمس سنوات، فالمذكرات مظنة الإفادة والإمْتَاع. وقد صاحبت الأستاذ كرد علي مدة طويلة ـ جالسته في مجمع فؤاد الأول في مصر، واستمعت إلى آرائه وبحوثه، وجالسته في لجنة التأليف والترجمة يوم كان يغشاها، وفي مجمع دمشق أيام كنت أزورها، وكونت فيه رأيًا بعد طول الخبرة، هو أنه واسع الاطلاع على الكتب العربية عليم بمصادر الموضوعات المختلفة، وبخزائن الكتب، وهي شيمة أخذها عن أستاذه الشيخ طاهر الجزائري، فقد كان ـ رحمه الله ـ بحاثة في الكتب عليمًا بخفاياها، حسن التقدير لغثها وسمينها، وقد أفاد الأستاذ كرد علي العالمّ العربي بما ألفه في هذه الناحية ككتابه:"خطط الشام"، وبما نشر من كتب من مثل رسائل البلغاء وأخبار أحمد بن طولون."

ولكنه إذا عدا هذا الطور فتعرض لبحث مبتكر، أو لنقد لما قرأ، أو تعقيب على قول لم يعجبني كثيرًا، لا في آرائه ولا في أسلوبه، فآراؤه لا تصدر عن أفق واسع، ولا نظر شامل، ولا عمق كاف، وأسلوبه متعثر ليس فيه رونق أو صفاء، ونكاته ونوادره تستجلب الضحك عليها لا الضحك منها، وكنت لا أرتاح لكثير من تصرفاته، فهو إذا لقى أحدًا من معارفه عانقه وبالغ في مدحه في وجهه حتى يخجله، وأثنى على تآليفه وكتبه، ولو لم يكن له تأليف ولا كتاب، والله أعلم، بما يقوله من ورائه.

وجاءت مذكراته هذه مصداقًا لما أقول، من قلة في الذوق، وسخافة في الحكم، وتقويم ما ليس له قيمة، وتحقير ما له قيمة.

وهؤلاء المصريون الذين كان يلقاهم فيعانقهم ويشيد بذكرهم قد انقلب عليهم انقلابًا عجيبًا لسبب عجيبٍ أيضًا!.

أسوق لذلك مثلًا لطيفًا، فقد كتب في الجزء الثاني مقالًا عنوانه:"كتاب إلى حبيب"ـ كتبه إلى معالي محمد حلمي عيسى باشا، يصب فيه نقمته على أدباء مصر، ويسبهم ويقدح فيهم أفظع القدح، لماذا؟ لأنهم لم يقرظوا كتبه، ولم يشيدوا بذكره، أو نحو ذلك من توافه الأسباب، اسمعه يقول:"وماذا أقول في مجلاتكم وصحفكم و"أحمد حسن الزيات"صاحب مجلة الرسالة بعد أن كان يكتب لي أنه كان لَقًى فرفعته، تنكر لي بأخرة وأعمته التجارة وجمعُ الأرباح، ونسى أصحابه ومن عاوَنُوه على اكتساب الشهرة".

"وصديقي أحمد أمين كأثر المشتغلين في مصر وغير مصر"أشغل من ذات النحيين"، ما سمعت منه كلمة طيبة لا باللسان ولا بالقلم منذ عرفته، وأنا ـ شهد الله ـ ما تركت بابًا من أبواب الدعاية له منذ ظهوره في التأليف، سأله في الجامعة أحد تلاميذه من الحلبيين عن رأيه فيّ، فقال: تسألني رأيي في بلديِّك؟ إنه أعرف المعاصرين بالمصادر".

"وهناك في مجمع فؤاد الأول من هم عجيبة الزملاء، هناك رئيسه أحمد لطفي السيد باشا الفيلسوف، وكثيرًا ما نوهت به، وأردت إخواني في المجمع العلمي العربي من أول تأسيسه أن يختاروه عضوًا مراسلًا فانتخبوه، وما تنازل أن يحييهم بكلمة شكر فيما أذكر، ولم يغلط خمسين سنة أن يقابل جميلي بمثله، كأنه يعتقد أن ما أقوم به نحوه هو واجبي، وأنه من عالم غير هذا العالم، وشتان بين ثقله وخفتي، وفرق بين جنسيتي وجنسيته، هو مصري، وأنا شامي"، ثُمَّ أبان سبب سخطه عليه، فذكر أن لطفي باشا دعاه وزملاءه إلى نادي محمد علي، فلحظ لطفي باشا أن بين الأعضاء الأجانب رجلًا له لقب وزير فدعاه إلى الجلوس في مقام التكرمة وترك كرد علي.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت