فهرس الكتاب

الصفحة 12722 من 28557

ـ [المعتز بدينه] ــــــــ [28 - Nov-2008, مساء 04:14] ـ

هناك رأي يقول:

-لما حقّر المسلمون أمر الدنيا، أهملوها فتأخروا، والغرب لما عظموها، عملوا لأجلها فتقدموا، وسادوا العالم؛ لذا ينبغي على المسلمين أن يرفضوا النظرة السلبية التشاؤمية للدنيا، والتي تؤدي إلى إهمالها، وإهمال القيام بعمارتها، والبحث في أسباب التقدم فيها، فالله تعالى خلقنا لنستعمرها، ونمشي في مناكبها، ونأكل من رزقها، ونحرثها، ونزرعها، ونحصدها.

ومناقشة هذا الرأي يكون من ثلاث جهات: الأصل، والصدق، والشرع.

فمن جهة الأصل، ليس غريبا عن الذين فقدوا الإيمان، أن يعظموا الدنيا، فهي رأس مالهم. وليس غريبا على المؤمنين أن ينزلوا من مرتبة الدنيا؛ لأنهم يعظمون الآخرة، والتعظيمان لا يجتمعان.

ومن جهة صدق هذا الرأي، فإنه لم يصدق في تصوير هذه الأزمة، فهو مفتقر إلى الدقة في وصف الداء الذي أصاب المسلمين؛ ذلك لأنه لا وجود اليوم لمسلمين يهوّنون من شأن الدنيا، ولا قبل اليوم، حتى قرن مضى، إلى قرنين، وثلاثة، وأربعة، وأكثر من ذلك، ليس ظاهرا في المسلمين تعظيم الآخرة، كما عظمه السلف، ولا قريبا من ذلك، إلا قليلا، إلا ما كان من حديث يتحدثون به، يرضون به أنفسهم في ذم الدنيا؛ أنهم تشبهوا بالسلف، دون أن يكون له أثر في الواقع.

الحقيقة: أن المسلمين اليوم وغير المسلمين كلهم سواء، في الإقبال على الدنيا؛ محبة وتعظيما واهتماما بالغًا. وانظر إلى المترفين واللاهثين وراء الدنيا، تعرف ذلك. الفرق بينهما: أن المسلمين في حالة تلقي وقبول لكل ما يغرقهم في الدنيا، ويجعل منهم أمة تابعة، مقلدة لغيرها .. أما الغرب فهو في حالة تصدير وتأثير في العالم وفي المسلمين. هذا هو الفرق الوحيد.

ومن جهة الشرع، فأمر تعظيم الآخرة - والتهوين من الدنيا - في النصوص الشرعية أظهر من الشمس، وقد تقدمت في الكلام على مثال الإصبع في اليم.

وهنا مثال موجود في القرن الأول؛ قرن الصحابة والتابعين، في المائة الأولى .. تمت الفتوحات فيها، فبسط الإسلام سلطانه شرقا إلى الصين، وغربا إلى المحيط الأطلسي، وشمالا إلى أوربا، وجنوبا أفريقيا. في قرن واحد اكتسح الإسلام امبراطوريات كبرى، ذات حضارة مؤثرة وظاهرة، وعظيمة، وذات قوة عسكرية واقتصادية، وثقافة وفكر، وكثافة سكانية، على رأسها فارس والروم. فبأي شيء تقدموا عليهم؟.

هل كان بحضارة مثيلة، واقتصاد مثيل، أو قوة موازية، أو تقدم مكافئ؟.

كلا، لم يكن شيء من ذلك أبدا، والتاريخ لا يمكن تزويره، بل كانوا على العكس من ذلك كله، لم يكن لديهم سوى:

-الإيمان العميق بالله واليوم الآخر.

-والعمل الصالح.

-والزهد في الدنيا.

-مع قوة أعدّوها بقدر ما استطاعوا وقدروا.

قال المعترض: هل المعنى ألا نتخذ الأسباب للتقدم الاقتصادي، والصناعي؟.

والجواب: هذا فهم متعنت. اتخاذ الأسباب في كل شيء مطلوب، وكل ما يحقق للأمة تقدما في: الصناعة، أو الاقتصاد، أو الحرب، أو الحضارة فهو مطلوب.

غير المطلوب، وهو المذموم: محاكاة الذين فقدوا الإيمان - وهم الغرب تحديدا اليوم - في كل ذلك، لنكون صورة مصورة لهم في أنواع التقدم. بما أن ديننا غير دينهم، وكذا شريعتنا، فتبعًا لهما يجب أن تختلف أهدافنا، ووسائلنا، وحدودنا، وضوابطنا.

وأبرز خلاف بيننا وبينهم في التقدم: أن تقدمنا ينبني على تعظيم الآخرة، وتقدمهم ينبني على تعظيم الدنيا. فيتقدمون لأجل الدنيا، ونحن نتقدم لأجل الآخرة. وفارق الهدفين نوعي مؤثر في نوعية التقدم:

في التقدم المبني على تعظيم الدنيا مغالاة وإفراط كبير في اتخاذ المتاع المادي، بما يوصل إلى الترف (لم يأت في القرآن إلا في معرض الذم) والبذخ، والفجور، والعدوان، وسلب الناس أقواتهم وكرامتهم، هو يصل باختصار إلى: عبادة الدنيا. فلا يقف حاجز أمام استحداث كافة أنواع الفجور، والبذخ، والترف، والأدوات الضارة، والإجرامية.

-من شواهق كشواهق عاد، إرم ذات العماد، التي لم يخلق مثلها في البلاد، بما يوحي بالخلود.

-والتطفيف في المكيال والميزان، بما يفقر الناس، كما حصل أخيرا في الأزمة المالية العالمية، وإفلاس بنوك ودول وأفراد في العالم، عدا جلبه النظام الرأسمالي منذ نشأ من فقر لأكثر من نصف العالم.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت