ـ [ابن تيمية] ــــــــ [25 - Apr-2009, مساء 03:42] ـ
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله .وبعد:
فقد صح عن ابن عباس رضي الله عنه القول بنزول القرآن جملة واحدة إلى السماء الدنيا , ثم نزل مفرقا حسب الوقائع.
وعلى هذا القول استشكلت أمرين أعرضهما بين يدي إخواني من طلبة العلم للمباحثة.
أولهما: ألا يكون في هذا القول ما يدعم حجة المبتدعة في القول بقدم الكلام الإلهي نوعه وآحاده ؟ (ولا أريد تقرير الشبهة , وفي الإشارة ما يغني عن تطويل العبارة) .
ثانيهما: هل من مخرج لـ"ما يقتضيه هذا القول"مع"النصوص التي نزلت على سبب مخصوص", (مثل قوله تعالى:"قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها".... الآية) غير القول: بأنه تعالى لا تعلق لأفعاله بالزمن , أي أن المخلوق هو وحده المحكوم بالزمن (ماضيه وحاضره ومستقبله) دون أن يكون للزمن تعلق بالفعل الإلهي ؟ , وبالتالي فما يصح"من الخطاب"في حق المخلوق تعلقه بزمن دون زمن لا يصح قول مثله فيما يتعلق بالباري سبحانه وتعالى.
أرجو ممن كان لديه أثارة من علم الاقتصار على مورد الإشكال دون سواه.
والله من وراء القصد.
ـ [أبو الفداء] ــــــــ [25 - Apr-2009, مساء 07:07] ـ
بارك الله فيك .. ما أوردته من استشكال فيما يبدو لي مداره القول بنتزيل القرءان منجما، بغض النظر عن حديث ابن عباس رضي الله عنهما وعن تنزيله جملة واحدة ..
وقولك:
أولهما: ألا يكون في هذا القول ما يدعم حجة المبتدعة في القول بقدم الكلام الإلهي نوعه وآحاده ؟ قلت أما قدم نوع الكلام فهو معتقد أهل السنة ولا إشكال فيه، ولا يظهر لي تعلقه بتنزيل القرءان جملة واحدة ولا بتنزيله منجما! وأما دعواهم بقدم آحاد الكلام نفسه فإنه ينقضها عند التأمل .. فلو كان لفظ القرءان قديما لما كان من نزول أول ولا تنزلات منجمة كلها جاء النص بأنها كلام مباشر من الرب جل وعلا لأمين الوحي جبريل عليه السلام! والله تعالى لم يزل متكلما بما يشاء وقتما يشاء، من الأزل وإلى الأبد .. هذا من جهة صفة الكلام كصفة ذاتية .. أما من جهة صفة الفعل فقد شاء الرب جل وعلا أن يتكلم بالقرءان، فتكلم به ونزله نزول تشريف في بيت العزة أولا، وتكلم به كذلك منجما، كل آية في مناسبتها .. فما وجه انتصار أهل البدع بهذا القول - بارك الله فيك - وهو يقرر نزولا حدث في شهر رمضان، وتنزلات متتابعة منجمة، كلها كان مبدؤها فعل الكلام من الرب جل وعلا، في الوقت الذي أراده سبحانه، دون وجود أزلي قديم سابق لآحاد هذا الكلام الذي تكلم به الرب سبحانه؟
هل من مخرج لـ"ما يقتضيه هذا القول"مع"النصوص التي نزلت على سبب مخصوص", (مثل قوله تعالى:"قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها".... الآية) غير القول: بأنه تعالى لا تعلق لأفعاله بالزمن , أي أن المخلوق هو وحده المحكوم بالزمن (ماضيه وحاضره ومستقبله) دون أن يكون للزمن تعلق بالفعل الإلهي ؟ , وبالتالي فما يصح"من الخطاب"في حق المخلوق تعلقه بزمن دون زمن لا يصح قول مثله فيما يتعلق بالباري سبحانه وتعالى.بارك الله فيك .. الله تعالى لا يحده الزمان، فهو خالق الزمان .. أما قولك"لا تعلق لأفعاله بالزمان"ففيه إجمال مبهم يحتاج إلى تفصيل وتحرير .. ومثله أن يقول القائل:"الله تعالى لا تعلق لأفعاله بالمخلوقين"! فيقال كيف هذا والله إنما يفعل كل ما أخبرنا أنه يفعله سبحانه: في خلقه وفي الكون المخلوق، على النحو اللائق بذاته جل وعلا؟ فكلمة التعلق هذه غير محررة ..
وهو خالق كل شيء جل وعلا .. فإذا شاء أن يتكلم في وقت يختاره لمخلوق يختاره على النحو الذي يختاره فهو فاعل لما يريد وقتما يريد كيفما يريد، ولا يقال أن هذا لازمه أن يشبه المخلوقين في التقيد بالزمن أو بغيره مما خلق جل وعلا، فانتبه لهذا أكرمك الله. شاء سبحانه أن يكلم خلقا من خلقه على النحو الذي يريده سبحانه في أوقات قد علمها من قبل خلقها .. فأين الإشكال في هذا، وأين الحجة لأهل البدع؟
هذا جوابي على ما فهمته من كلامك، والله أعلى وأعلم.
ـ [ابن تيمية] ــــــــ [27 - Apr-2009, مساء 06:44] ـ
لا يزال الإشكال قائما من الجهتين اللتين أوردتهما.
وقولك أخي الكريم:
الله تعالى لا يحده الزمان، فهو خالق الزمان .. . يرد عليه الإشكال الوارد سابقا في قضية الزمن , وذلك أن الزمن ما هو إلا الماضي والحاضر والمستقبل ,فإذا كان فعله تعالى لا يحده الزمن أمكن أن يفعل فعلا دون أن يوصف هذا الفعل بأنه متعلق بأحد الأزمنة الثلاثة , وعليه يكون تقرير ما سبق وذكرته لك من نزول القرآن جملة واحدة رغم أنه فيما يتعلق بالناس نزل وفق أزمان محددة (تبينها أسباب النزول) , وبالتالي فقضية المضي والاستقبال إنما هي في المخلوق الذي شاء تعالى أن تتعلق أفعاله بالزمن على جهة عدم الانفكاك.
وما ذكرته حفظك الله من تعلق فعله تعالى بالمخلوق هو دليل لما أوردته من حيث أن فعله تعالى قد يتعلق بالمخلوق (كالإحياء والإماتة) , وقد يتعلق بذاته سبحانه وتعالى (كالاستواء والنزول .... ) وبالتالي فيصح أن يقال (بناء على ما أورتده أخي في مشاركتك) قد تتعلق أفعاله تعالى بالزمن وقد لا تتعلق به. فإذا صح هذا انحل الإشكال المتعلق بنزول القرآن جملة واحدة مع أنه في تعلقه بالناس نزل منجما.
ويبقى الإشكال الآخر وهو: هل في هذا التقرير ما يمكن أن يكون دليلا لمن يرى قدم آحاد الكلام الإلهي .... ؟ وذلك أن حقيقة القدم هي: الأولية , ولازمها عدم التعاقب , والتي لا تجتمع مع القول بأن القرآن نزل بعضه بعد بعض. وهو حقيقة قولنا أهل السنة والجماعة.
والله من وراء القصد.
(يُتْبَعُ)