فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
ـ [علي الغامدي] ــــــــ [18 - May-2010, صباحًا 12:47] ـ
منّة الاختراع
الحمدلله وبعد،،
طوال آيات القرآن يجد المرء كثرة امتنان الله على الناس بتسخير الآيات العظيمة لهم كالشمس والقمر والليل والنهار والرياح والمطر والأنعام والطيور وغيرها ..
يستطيع المرء أن يفهم جيدًا وجه الامتنان على الناس بهذه الآيات العظيمة التي خلقها الله لهم وجعلها من أساسيات المعيشة الكريمة على كوكب الأرض .. فهذه الآيات تدور حول الأغذية والبيئة والصحة ونحوها من أسس الوجود البشري ..
بل إن كثيرًا من الناس حين يذكّرهم شخص بوجوب حمد الله وشكره على نعمه فإن أذهانهم تنصرف دومًا إلى نعمة الرزق والولد والمطر والأمن ونحوها ..
لكن هناك مستوى آخر من المنن ذكره القرآن .. منّةٌ قليل من الناس من يتفطن لها .. بل كثيرمن الناس قلب معناها الذي أشار له القرآن للأسف ..
هذه المنة ليست امتنان الله على الناس بمصنوعات الله المحضة؛ بل الامتنان على الناس بما هو من مخترعاتهم أنفسهم!
أن يذكّر الله العباد بآيات خلقها الله بصورة محضة كالمطر والشمس والقمر ونحوها فهذا أمر مدرَك لدى الكثيرين .. لكن أن يمتن الله على الناس بما أبدعوه بأنفسهم! ويجعل هذا من آيات عظمة الله ذاته فهذا معنى يغيب عن الكثيرين ..
هذا القصور في فهم وجه امتنان الله على الناس بما هو من ابداعاتهم واختراعاتهم من أسباب اهتزاز إيمان كثير من المنتسبين للثقافة لما رأو انفجار العلوم والمخترعات الإنسانية في هذا العصر .. وصار كل تطور علمي يشاهدونه يسحب المزيد من رصيد إيمانهم وثقتهم بدينهم .. لماذا؟ لأنهم لم يدركو سرًا من أجمل أسرار القرآن .. إنه (امتنان الله على الناس بما هو من مخترعاتهم) ..
حسنًا .. سنتناول أمثلة لهذا التنبيه القرآني ..
من أقدم الاختراعات التي اخترعها الإنسان هو (اختراع السفينة) وذلك فور احتياج البشرية إلى التنقل عبر المياه، ويذكر"جارلي"في كتابه (فلسفة بناء السفن) نقلًا عن علماء الحفريات (الأركيولوجيون) بأن أوائل صناعة السفن ظهر مع قدماء المصريين حوالي 3000 سنة قبل الميلاد وذكر شيئًا من تفاصيل طرائقهم في جمع الخشب والتنقل عبر وادي النيل (انظر: Frederick & Ward, p13) وأنا شخصيًا مهزوز الثقة بهذه التعيينات التاريخية التي يذكرها الأركيولوجيون، لكن القدر الذي نجزم به أن السفينة اختراع بشري قديم ..
ومع ذلك .. أي مع أن السفن هي من بنات أفكار الإنسان ومخترعاته إلا أن الله امتن على عباده بهذه السفن فقال تعالى (وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ) .
واعتبر الله السفن من نعم الله فقال سبحانه (أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللَّهِ لِيُرِيَكُمْ مِنْ آيَاتِهِ) .
بل قرن الله (السفن) بوسيلة نقل أخرى هي من محض خلق الله وهي (الأنعام) فقال تعالى (وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ) .
فبالرغم من أن الأنعام من مخلوقات الله المحضة، والسفن من مخلوقات الله على يد الإنسان الذي اخترعها .. فإن كليهما جعله الله موضع امتنان، وجعلهما في نفس المرتبة وكأنهما مجرد مثالين لنوعين من الامتنان بحيث يعتبر الإنسان بهما ماكان من جنسهما ..
وكان القرآن يشير في أكثر من موضع إلى جمال حركة السفن وهي تمخر عباب البحار كقوله تعالى في (وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ) .
فإذا تأمل متدبر القرآن كيف يمتن الله على الإنسان بالسفن برغم أنها من مخترعات بني آدم أصلًا، علم أن مخترعات وعلوم الإنسان ليست منافسة لقدرة الله، أو مزاحمة لها، بل هي مظهر إضافي جديد من مظاهر قدرة الله تورث المؤمن مزيد تعظيم لله كيف أقدر بني آدم وأمكنهم من ذلك ..
(يُتْبَعُ)