فهرس الكتاب

الصفحة 25176 من 28557

حسنًا .. دعنا نتأمل في نموذج قرآني آخر .. وليكن اختراع (القلم) .. فإن القلم من المخترعات المبكرة للإنسان .. ويذكر المؤرخون تطور أنواعه كالأقلام التي من ريش الطيور، وأقلام القصب، والقلم المزود بمخزن حبر، وقلم الرصاص ثم أنواع الأقلام المعاصرة، ويذكر العالم الألسني روجرز في كتابه المتميز (أنظمة الكتابة) بأن أقدم كتابة فعلية معروفة تعود إلى مدينة أوروك السومرية العتيقة ( Rogers, p.84) .

على أية حال .. ومع أن القلم وأنظمة وأنماط الكتابة هي ابتكارات بشرية إلا أن الله سبحانه وتعالى يمتن على عباده بهذا الذي اخترعوه هم فيقول سبحانه (الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ) ..

بل يجعل سبحانه سورة كاملة باسم القلم يستفتحها سبحانه بالقسم بالقلم فيقول تعالى (ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ) ورجح كثير من المحققين أن القلم هنا هوجنس القلم ..

ويمكن لمتدبر القرآن أن يرى -أيضًا- نماذج أخرى مما يمتن الله فيها على عباده بما هو من مصنوعاتهم، فمن ذلك أيضًا (فن النحت) فإنه من مبتكرات الإنسان وأفكاره وإبداعاته الجمالية، ومع ذلك فإن الله سبحانه امتن على ثمود بأعمالهم الجمالية في المدائن في الحجر شمال الجزيرة العربية فخاطبهم تعالى بقوله (وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ) .

ومن أعمال بني آدم ومنتجاتهم فن العمارة وتصنيع المساكن، ومع ذلك امتن الله على عباده بما هو من مصنوعاتهم فقال تعالى (وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا) .

ومن إبداعات الإنسان فن الغزل وصناعة النسيج، ومع ذلك يمتن الله على الإنسان بما هو من إبداعه فيقول تعالى (وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ) .

ومن ابتكارات بني آدم الصناعة العسكرية وأدوات الدفاع في الحروب؛ ومع ذلك يمتن الله على عباده بذلك ويسميها نعمة فيقول تعالى (وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ) .

والقرآن مملوء بالإشارات إلى امتنان الله وإظهار تفضله وإنعامه على العباد بما هو من مصنوعاتهم ومخترعاتهم وعلومهم، وبما بذلوا هم الجهد في علمه ومعرفته، ولن يعوز متدبر القرآن أن يجد نظائر أكثر من ذلك ..

ومن المدهش أن يلاحظ المرء كيف يؤكد الله الامتنان بكلا النوعين: بما عملته يد الله، وبما عملته أيدي المخلوقين .. فيمتن علينا فيما عملته أيدي الله فيقول (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ) .. ويمتن علينا تعالى بما عملته أيدينا فيقول (لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلَا يَشْكُرُونَ) ..

فحتى ماتعمله أيدينا إنما هو محل امتنان بقدرة الله وعظمته ونعمته لأنه هو الذي زودنا بهذه الآلات والإمكانيات ..

العقل العلمي الصحيح يقوده التقدم المعرفي إلى زيادة تعظيم الله .. والعقل البليد ينصاع لعلمه بدلًا من أن ينصاع لرب علمه .. وحين يعبد الإنسان علمه الذي أنتجه بعقله، وحين يعبد الإنسان فنه الذي نحته بيده؛ فهو لايبتعد كثيرًا عن قوله تعالى (قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ * وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ) ..

الإنسان الذي في قلبه مرض كلما رأى انفجار العلوم المعاصرة داخلَه الاستعلاء على دين ربه ومولاه، والقلب السليم كلما رأى هذه العلوم المعاصرة ودقة فنونها وصناعاتها ازداد تعظيما لربه كيف أقدر بني آدم ومكّنهم من هذا الابداع في العلوم الطبيعية والإنسانية والمفاهيم العقلية الدقيقة! كيف وضع الله في العقل البشري كل هذه الإمكانيات، في هذا الجرم الصغير (العقل) عوالم متكاملة منظمة فسبحان بديع السموات والأرض ..

العلوم المعاصرة بالنسبة للرجل العاقل تزيده إيمانًا، فإذا ازداد إيمانًا ازداد خضوعًا وانصياعًا للوحي .. والشخص السطحي إذا رأى العلوم المعاصرة ازداد ارتيابًا في ربه ودينه وشرائع الوحي، فإذا داخلته الريب وتزعزع اليقين تعثر الانقياد وفاته شرف عبودية التسليم ..

ويمكن أن يلتمس المرء في القرآن هذه العلاقة بين قصور إدراك النعم من حولنا وبين التطاول على الشريعة .. كما قال تعالى (وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ)

فلو أدرك هذا المجادل في دين الله النعم من حوله على وجهها لقاده ذلك للانقياد وترك المجادلة في الله وفي دين الله ..

كنت مرةً أقرأ مواضع من تفسير أضخم مرجعية فقهية سنية معاصرة وهو الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله- فوجدته يقول: (الطائرات منة من الله عز وجل كمنته على عباده في جواري البحار، بل ربما نقول: إن السيارات أيضا من جواري البر) [تفسير سورة الرحمن، 24] .

فلما قرأت ذلك أخذت أتعجب من صحة عقول أئمة أهل السنة وسلامة نظرهم، وكيف يصلون إلى المعاني الصحيحة بأيسر الطرق وأقرب الأسباب بلاتكلفات المفكرين ولاتقعرات المتفلسفة، وكيف تنسجم لديهم العلاقة بين الكوني والشرعي فيضعون لكل شئ موضعه ..

والمراد من ذلك كله أن ينظر المرء كيف أن هذا التقدم العلمي المادي أنه من أدلة الإيمان والتسليم والانقياد لله وتعظيمه جل وعلا وتعظيم شريعته؛ فصيره الجهلة طريقًا لضد ذلك!

والله أعلم

أبوعمر

جمادى الثانية 1431هـ

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت