ـ [عدنان البخاري] ــــــــ [26 - Dec-2006, صباحًا 12:11] ـ
حقيقة الشِّرك وأنواعه في الجاهليَّة والإسلام:
• الحمدلله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين ... أما بعد
• فقد دلَّت دلائل الكتاب والسنة على أنَّ مشركي العرب كانوا واقعين في جملٍ من شرك الإلوهية والربوبية والأسماء والصفات.
• وبيان هذا وتفصيله في أمرين مهمين:
1 -الأمر الأول: أنَّ مشركي العرب ما كانوا يوحِّدون العبادة كلها لأصنامهم؛ بل كانت لهم عبادات لله تعالى؛ كالذبح والنذر والصلاة والحج والصوم والإطعام و ... الخ.
• لكنَّ شركهم الذي كفروا به إنما كان في (إشراكهم غير الله) فيما هو من خصائص الله تعالى؛ وذلك بصرف شيءٍ من أنواع العبادة لغيره.
• كالذبح لله ولغيره، ودعاء الله ودعاء غيره، ورجاء الله ورجاء غيره، والخوف من الله والخوف من غيره ومحبة الله ومحبة غيره، و ... و ... الخ.
• أمَّا أنهم كانوا متمحِّضين في الوثنية فهذا لم يكن؛ كحال كثير من أمم الكفر الغارقة في الوثنية؛ كطوائف من الهندوس، وأشتات من وثنيي أفريقيا.
• فهذه الأمم - فيما يحكى عنهم - تتوجَّه بالعبادة كلها إلى غير الله، وكثير منهم لا يعرف أنَّ له إلهًا في السماء أصالةً.
• إذا تبيَّن هذا عُلِمَ أنَّ مشركي العرب كانوا يشركون بأفرادٍ من توحيد الألوهية، وهو: توحيد الله بأفعال العباد، ولم يكونوا مشركين بصرف العبادة (كلها) لغير الله سبحانه وتعالى.
2 -الأمر الثاني: أنَّ مشركي العرب مع توحيدهم الله وإقرارهم له سبحانه في (أصل) توحيد الأسماء والصفات وتوحيد الربوبية إلاَّ أنهم كانوا واقعين في (أفراد) من الشرك في هذين التوحيدين أيضًا.
• وشواهد هذا الأمر في الكتاب والسنة كثيرة:
• أمَّا ما كان في شرك العرب في توحيد الأسماء والصفات، فقوله تعالى: (( ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في أسمائه ) ).
• وقوله تعالى: (( قل ادعو الله او ادعو الرحمن أيَّنًا ما تدعو فله الأسماء الحسنى ) ).
• وقوله تعالى: (( وهم يكفرون بالرحمن قل هو ربي لا إله لاَّ هو عليه توكلت وإليه متاب ) ).
• والشاهد من هذه الآيات الثلاثة: أنَّ المشركين كانوا لا يقرُّون ببعض أسماء الله تعالى؛ كالرحمن.
فصلٌ: وأما ما كان من شركهم في الربوبية فقوله صلى الله عليه وسلم: (( أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر؛ فأما من مطرنا بنوء كذا فذلك كافرٌ بي ن مؤمنٌ بالكوكب، وأما من قال مطرنا بفضل الله ورحمته فذلك مؤمنٌ بي، كافرٌ بالكوكب ) ).
• والشاهد من هذا الحديث: أنَّ الشرك في الاستسقاء بالنجوم (وهو نسبة نزول المطر أو سببه إلى الأنواء والنجوم) إنما هو شركٌ في الربوبية.
• ووجه كونه شركًا في الربوبية: أنه اعتقاد تأثير بعض الأنواء بكونها منزلةً للمطر أو سببًا لنزوله؛ والواجب نسبة إنزال المطر لله وحده، وعدم جعل شيءٍ سببًا لم يجعله الله كذلك.
• وهذه النسبة تناقض توحيد الربوبية؛ الذي هو توحيد الله بأفعاله؛ ومن أفعاله: إنزال المطر.
• ومنها: قوله صلى الله عليه وسلم: (( الطيرة شرك، الطيرة شرك ) )، وقوله صلى الله عليه وسلم: (( إن الرقى والتمائم والتولة والطيرة شركٌ ) ).
• والشاهد من هذين الحديثين: أنَّ الطيرة - وهو التشاؤم - شركٌ في الربوبية.
• ووجه كونه شركًا في الربوبية: أنه اعتقاد تأثير بعض الأعيان أو الأزمان بالشر والسوء على الناس؛ والواجب نسبة الخلق لله وحده، وهو يناقض توحيد الربوبية؛ الذي هو توحيد الله بأفعاله.
• وكذا الاعتقاد في التولة (وهو ما يصنع من الرقى التى تحبب أحد الزوجين للآخر) أنها جالبة للنفع، أو الرقى عمومًا أنها دافعة للضر؛ كالعين والسحر والجن = فهذا كله من الشرك في توحيد الربوبية.
• وكذا قولهم: (( وما يهلكنا إلاَّ الدهر ) )؛ فهذا نسبة الإماتة للدهر، وهو شركٌ في الربوبية.
• وكذا قولهم في الشجرة المتبرَّك: (( اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط ) )؛ فقال لهم صلى الله عليه وسلم: (( قلتم والذي نفسي بيده كما قال قوم موسى لموسى: (( اجعل لنا إلهًا كما لهم آلهة ) )، ووجهه اعتقاد جلب النفع من غير الله، وهو شرك في الربوبية.
(يُتْبَعُ)