ـ [ابو نذر الرحمان] ــــــــ [25 - Mar-2009, صباحًا 12:46] ـ
تحرير المقال في مسألة ترك عمل الجوارح
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. أما بعد:
فقد لا حظت كثرة المواضيع التي تتحدث عن مسألة عمل الجوارح، وحكم تاركه بالكلية. ورأيت أن كثيرا من المشاركات متقاربة، ربما يفصل بينها خيط دقيق.
والملاحظ أن كلام شيخ الإسلام ابن تيمية كان له الحظ الأوفر في النقل. ولا غرابة في ذلك، فشيخ الإسلام رحمه الله هو فارس هذا الميدان.
ومما لا حظته أيضا أن جل من كتب في هذه المسألة خارج الانترنت وداخلة، يقر بالتلازم بين الظاهر والباطن. لكن يبقى الخلاف في حدود هذا التلازم.
فالذين يرون كفر تارك عمل الجوارح بالكلية يقولون: إذا انتفى العمل الظاهر انتفى عمل القلب وذهب الإيمان، فكان الكفر.
والذين يرون نجاة تارك العمل الظاهر يتكئون على نحو قول شيخ الإسلام: دل على عدمه أو ضعفه.، أو أن شعب الإيمان قد تتلازم عند القوة ولا تتلازم عند الضعف.
وأيضا: فربما حمل هؤلاء كثيرا من عبارات شيخ الإسلام على أنها تعني انتفاء الإيمان الكامل أو الواجب.
ولهذا رأيت أن مما يعين على رفع هذا النزاع أن يقف الجميع على عبارات للسلف ولشيخ الإسلام تنص على شيء مما يلي:
1 -أن انتفاء عمل الجوارح لا ينفع معه التصديق وقول اللسان.
2 -أن انتفاء عمل الجوارح يلزم منه انتفاء إيمان القلب.
3 -أن انتفاء عمل الجوارح يلزم منه ألا يبقى في القلب إيمان.
4 -أن ترك عمل الجوارح كفر.
فمثل هذه الجمل الصريحة تقضي على العبارات المحتملة، كقوله: دل على عدمه أو ضعفه، مع أن في هذه العبارة التسليم بأن ذهاب عمل الجوارح قد يدل على عدم الإيمان الذي في القلب. وهذه الحالة لا يسلم بها المخالف.
وكذلك قول شيخ الإسلام: إن شعب الإيمان قد تتلازم عند القوة ولا تتلازم عند الضعف، لا يمكن أن تقاوم عبارات صريحة كالتي مضى ذكرها.
وأحب أن أنبه إلى أمر آخر، وهو ضرورة التفريق بين مسائل الإجماع ومسائل الخلاف، ولا شك أن كون الإيمان قول وعمل، مما اتفقت عليه كلمة أهل السنة والجماعة على مر العصور.
وقولهم هذا ظاهر في التسوية بين القول والعمل، بل صرحوا أيضا بأنه لا ينفع ولا يستقيم قول بلا عمل. وهذه التسوية ليست في التعريف واللفظ كما فهم بعض الإخوة، بل هي تسوية في الرتبة والمنزلة.
ولهذا سأبدأ هذا المقال بحكاية إجماع أهل السنة على أنه لا يجزيء قول اللسان والتصديق دون عمل الجوارح.
ثم أشرع في نقل عبارت شيخ الإسلام - ولغيره - التي تبين حدود التلازم بين الظاهر والباطن، والتي تقضي بأن انتفاء العمل الظاهر كلية يعني انتفاء إيمان القلب الصحيح، كما يعني الكفر.
تحرير محل النزاع:
1 -المسألة مفروضة في رجل شهد شهادة الحق بلسانه، وصدق بقلبه، وأتى بعمل القلب اللازم، من المحبة والخوف والانقياد والتسليم، وعاش دهره لا يسجد لله سجدة ولا يفعل شيئا من الفرائض، ولا النوافل، ولا يتقرب الى الله بعمل، مع تمكنه من ذلك، وعلمه بما أوجب الشرع عليه في ذلك. فهل ينفعه قول اللسان وقول القلب وعمله، مع انتفاء عمل الجوارح؟
وهل يحكم لهذا الرجل بالكفر، أم هو مسلم تحت المشيئة؟
وهل عمل الجوارح - في الجملة - ركن من أركان الإيمان، تتوقف صحة الإيمان على وجوده، كتوقفها على بقية الأركان؟
2 -والبحث هنا في حكم هذا الرجل بالنظر إلى ما عند الله، أي في باب الحكم على الحقيقة، وليس باعتبار الحكم عليه في الظاهر؛ لأنه يصعب - غالبا- الحكم على شخص ما بأنه لم يأت بشيء من أعمال الجوارح مع القدرة والتمكن.
وأقول: مع القدرة والتمكن، لأن إمكان الاطلاع على صورة ترك العمل مع عدم التكمن حاصلة، كأن ينطق كافر بالشهادتين ثم يموت، فهذا معذور لعدم تمكنه من العمل.
3 -والكلام مقيد بمن بلغته الشريعة، وثبت في حكمه الخطاب، أما من لم تبلغه الأحكام فهو خارج عن محل النزاع.
4 -لا خلاف في أن انتفاء تصديق القلب موجب للكفر على الحقيقة، وقد يحكم له في الظاهر بالإسلام لعدم تلبسه بناقض ظاهر، وهذا حال المنافقين.
(يُتْبَعُ)