فهرس الكتاب

الصفحة 16464 من 28557

5 -ولا خلاف أيضا في أن ذهاب عمل القلب موجب لذهاب الإيمان وعدم الانتفاع بالنطق والتصديق، وهذا من باب الحكم على الحقيقة أيضا، أي بالنظر إلى ما عند الله.

6 -ثمرة هذه المسألة هي الوقوف على منزلة عمل الجوارح عند أهل السنة، وفهم قولهم: الإيمان قول وعمل، والتفريق بين مذهبهم ومذهب المرجئة و الخوارج والمعتزلة، وليس للمسألة تعلق بتكفير أحد من الناس، وقد نبهت على ذلك من قبل، ولا مانع من تكراره لأن بعض الجهلة إذا قرأ (كفر ... وإيمان) ظن أن القضية إنما هي انشغال بالتكفير، ودعوة إليه.

ولا مرية في أن السلف لم يغفلوا هذه المسألة، ولم يقصروا في بيانها، وبين يدي شيء كثير من كلامهم وبيانهم، لكن الأخ أبا عمر رغب في بحث المسألة بالدليل من الكتاب والسنة، ثم أبدى قبوله للاستدلال عليها بالقياس وبفهم السلف الذي ليس له مخالف.

ولست أستدل لهذه المسألة إلا بدليلين: أولهما الإجماع، وثانيهما: علاقة الظاهر بالباطن، القاضية بانتفاء عمل القلب عند انتفاء عمل الجوارح. وهذا الدليل استدل به شيخ الإسلام لإثبات كفر تارك الصلاة في الباطن (على الحقيقة) (7/ 611) وكلام شيخ الإسلام مستفيض في الحكم بانتفاء إيمان القلب عند انتفاء عمل الجوارح.

أما الإجماع، فهو ما نقله الشافعي رحمه الله، عن الصحابة والتابعين:

قال"وكان الإجماع من الصحابة والتابعين من بعدهم ومن أدركناهم يقولون: الإيمان قول وعمل ونية لا بجزيء واحد من الثلاث إلا بالآخر"

شرح أصول اعتقاد أهل السنة لللالكائي 5/ 956، مجموع الفتاوى 7/ 209.

ولا يتم الاستدلال بهذا الاجماع على المطلوب إلا ببيان المراد بالعمل في قول الشافعي: قول وعمل ونية، وقبل ذلك أشير الى ثبوت هذا الاجماع عنه رحمه الله.

أولا: ثبوت هذا الإجماع:

قال الامام اللالكائي في شرح أصول اعتقاد اهل السنة والجماعة 5/ 956

"قال الشافعي رحمه الله في كتاب الام في باب النية في الصلاة: نحتج بأن لا تجزيء صلاة الا بنية لحديث عمر بن الخطاب عن النبي صلى الله عليه وسلم (إنما الأعمال بالنيات) ثم قال:"

وكان الاجماع من الصحابة والتابعين ...."الخ."

وهكذا نقله شيخ الاسلام أيضا عن كتاب الأم.

فهذا نقل عن كتاب، لا يحتاج إلى بحث في الإسناد.

وكون هذا النص ليس موجودا الآن في كتاب الام كما قال محقق كتاب اللالكائي، لا يعني عدم وجوده فيه في عصر اللكائي، وعصر شيخ الإسلام، بل لو كان مفقودا في زمن شيخ الإسلام لأحال في نقله على الللاكائي، كما يفعل ذلك كثيرا في كتبه رحمه الله.

بل هذا الإجماع الذي يحكيه الشافعي ذكره الرازي عنه واستشكله:

قال شيخ الإسلام (7/ 511)

"وكان كل من الطائفتين بعد السلف والجماعة وأهل الحديث متناقضين، حيث قالوا: الإيمان قول وعمل، وقالوا مع ذلك: لا يزول بزوال بعض الأعمال!"

حتى ان ابن الخطيب وأمثاله جعلوا الشافعي متناقضا في ذلك، فإن الشافعي كان من أئمة السنة، وله في الرد على المرجئة كلام مشهور، وقد ذكر في كتاب الطهارة من"الأم"إجماع الصحابة والتابعين وتابعيهم على قول أهل السنة، فلما صنف ابن الخطيب تصنيفا فيه، وهو يقول في الإيمان بقول جهم والصالحي استشكل قول الشافعي ورآه متناقضا"اه"

فثبوت هذا الاجماع عن الشافعي رحمه الله لا شك فيه، وهو ثابت عن غيره أيضا، وهو قولهم: الايمان قول وعمل، لكن ما نقله الشافعي يبين منزلة عمل الجوارح، وأن الاجزاء الاخرى لا تنفع بدونه.

وقد أشار الى هذا الاجماع ابن رجب الحنبلي في جامع العلوم والحكم (1/ 104 ت: شعيب الارناؤوط)

ثانيا: ما المقصود بالعمل في هذا الاجماع؟

والجواب: المقصود بذلك عمل الجوارح جزما، وبيان ذلك بأمرين:

الأول:

أن قوله"ونية"اشارة الى عمل القلب، فتعين حمل قوله"وعمل"على عمل الجوارح. كما ان قوله"قول"شامل لقول اللسان وقول القلب.

والنية هي الاخلاص وهو عمل القلب، وتمثيل الائمة لعمل القلب بالنية او الإخلاص أمر شائع مشهور، وتأمل هذا النقل عن الامام ابي عبيد القاسم بن سلام (157ه-224ه) في كتابه الإيمان ص 9،10 لترى استعماله لنفس عبارة الشافعي، مع التعبير عن النية بالإخلاص، وعن العمل بعمل الجوارح، في حكاية قول أهل السنة:

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت