فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
قال"اعلم رحمك الله أن أهل العلم والعناية بالدين افترقوا في هذا الامر فرقتين:"
فقالت إحداهما: الإيمان بالإخلاص لله بالقلوب
وشهادة الالسنة
وعمل الجوارح.
وقالت الفرقة الاخرى: بل الايمان بالقلوب والالسنة فأما الاعمال فإنما هي تقوى وبر وليست من الايمان. وإنا نظرنا في اختلاف الطائفتين، فوجدنا الكتاب والسنة يصدقان الطائفة التي جعلت الإيمان:
بالنية
والقول
والعمل،جميعا، وينفيان ما قالت الاخرى"انتهى."
وهنا عبر الامام ابوعبيد عن حقيقة مذهب اهل السنة بتعبيرين:
الاخير منهما هو تعبير الشافعي رحمه الله،
فدل على ان العمل: هو عمل الجوارح
وان النية: هي الاخلاص، وهو من عمل القلب.
وانظر في التمثيل لعمل القلب بالنية:
الصلاة وحكم تاركها لابن القيم ص 46 حيث قال"عمل القلب: نيته واخلاصه"
و معارج القبول 2/ 589.
الأمر الثاني:
الذي يدل على أن العمل هنا هو عمل الجوارح:
أن من العلماء من حكى الاجماع بلفظ قريب من لفظ الشافعي وصرح بأن العمل هو عمل الجوارح:
قال الإمام الآجري في الشريعة ص 125 (ط. دار الكتب العلمية، ت: محمد بن الحسن اسماعيل) بعد ذكر المرجئة وسوء مذاهبهم عند العلماء:
وهو في الطبعة المحققة للدكتور الدميجي 2/ 686
"بل نقول - والحمد لله - قولا يوافق الكتاب والسنة وعلماء المسلمين الذين لا يستوحش من ذكرهم وقد تقدم ذكرنا لهم: ان الإيمان معرفة بالقلب تصديقا يقينا، وقول باللسان، وعمل بالجوارح، لا يكون مؤمنا إلا بهذه الثلاثة، لا يجزي بعضها عن بعض، والحمد لله على ذلك"انتهى.
قد يقال: هذا الاجماع كاف في المسألة ومصرح بأن الثلاثة لا يجزي بعضها عن بعض، فلم التركيز على ما نقله الشافعي؟
والجواب: ان الآجري متوفي سنة 360 ه، وقد يقال انه ينقل الاجماع عن اهل عصره، اما الشافعي فإنه يحكي اجماع الصحابة والتابعين، فلا مجال لنقض هذا الاجماع الا بإثبات مخالف له من الصحابة!
ولتمام الفائدة أنقل إجماعا آخر حكاه الآجري أيضا
قال ص 102 (2/ 611 ت: الدميجي)
"قال محمد بن الحسين: اعلموا رحمنا الله تعالى وإياكم: أن الذي عليه علماء المسلمين أن الايمان واجب على جميع الخلق، وهو تصديق بالقلب، وإقرار باللسان، وعمل بالجوارح."
ثم اعلموا أنه لا تجزيء المعرفة بالقلب والتصديق الا ان يكون معه الايمان باللسان نطقا،
ولا تجزيء معرفة بالقلب ونطق باللسان حتى يكون عمل بالجوارح،
فإذا كملت فيه هذه الثلاث الخصال كان مؤمنا.
دل على ذلك الكتاب والسنة وقول علماء المسلمين"."
ودفعا لما قد يتوهمه البعض، ومنعا لتطويل النقاش بغير فائدة أقول: وقفت على من حاول تأويل قول الشافعي - ومثله قول الآجري هنا:"لا يجزي"
وأقول: تأمل جيدا قوله (لا تجزيء المعرفة بالقلب والتصديق الا ان يكون معه الايمان باللسان نطقا)
يظهر لك جليا أن الإجزاء هنا بمعنى الصحة والقبول، إذ لا يصح الايمان مع ترك قول اللسان بإجماع اهل السنة!!!!
وقوله بعد ذلك:"لا تنفعه"صريح في اثبات المطلوب.
وقال الآجري في ايضاح الاجماع الذي حكاه: ص 103 (2/ 614 ت: الدميجي)
"فالأعمال - رحمكم الله تعالى - بالجوارح تصديق للايمان بالقلب واللسان."
فمن لم يصدق الايمان بجوارحه: مثل الطهارة والصلاة والزكاة والصيام والحج والجهاد وأشباه لهذه،
ورضي من نفسه بالمعرفة والقول: لم يكن مؤمنا، ولم تنفعه المعرفة والقول، وكان تركه العمل تكذيبا منه لايمانه، وكان العمل بما ذكرنا تصديقا منه لايمانه، وبالله تعالى التوفيق"انتهى كلام الآجري."
وقال أيضا في كتابه الاربعين حديثا، المطبوع مع الشريعة ص 422
"اعلموا رحمنا الله واياكم ان الذي عليه علماء المسلمين واجب على جميع الخلق: وهو تصديق القلب، وإقرار باللسان، وعمل بالجوارح. ثم إنه لا تجزيء معرفة بالقلب ونطق باللسان حتى يكون معه عمل بالجوارح. فإذا اكتملت فيه هذه الخصال الثلاثة كان مؤمنا، دل على ذلك الكتاب والسنة وقول علماء المسلمين ... ولا ينفع القول اذا لم يكن القلب مصدقا بما ينطق به اللسان مع القلب ..."
وإنما الايمان بما فرض الله على الجوارح تصديقا لما أمر الله به القلب، ونطق به اللسان، لقوله عز وجل: (يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم وافعلوا الخير لعلكم تفلحون) وقال عز وجل (وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة)
وفي غير موضع من القرآن، ومثله فرض الحج وفرض الجهاد على البدن بجميع الجوارح. والاعمال بالجوارح تصديق عن الايمان بالقلب واللسان.
فمن لم يصدق بجوارحه مثل الطهارة والصلاة والزكاة والصيام والحج والجهاد وأشباه هذه، ومن رضي لنفسه بالمعرفة دون القول والعمل لم يكن مؤمنا.
ومن لم يعتقد المعرفة والقول كان تركه للعمل تكذيبا منه لايمانه [كذا]
وكان العمل بما ذكرنا تصديقا منه لايمانه، فاعلم ذلك.
هذا مذهب علماء المسلمين قديما وحديثا،
فمن قال غير هذا فهو مرجيء خبيث، فاحذره على دينك، والدليل عليه قوله عز وجل (وما أمروا الا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة"انتهى كلام الآجري رحمه الله."
وبعد: فهذا هو الدليل المعتمد عندي في هذه المسألة، وهو كما رأيت إجماع الصحابة والتابعين، وغير خاف عليك خطر الخروج عن اجماعهم، والحيدة عن طريقهم، فدونك هذه الحجة، تأملها حق التأمل، ودقق فيها من كل وجه، فإذا سلمت بدلالتها على المطلوب، فليس يخفى عليك أني لن أقبل في معارضتها قول قائل، او استنباط مستنبط.
وليس من سبيل الى نقض هذا الاجماع الا بإثبات مخالف له من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم. والله أعلم.