ـ [أبو محمد التونسي] ــــــــ [12 - May-2008, صباحًا 03:44] ـ
حركة الفكر .. وفكر الحركة
لعل من مواضع الاتفاق بين العديد من المهتمين بشؤون العالم الإسالمي اليوم أن الأزمة المعاصرة التي يمر بها العالم الاسلامي هي أزمة فكر بالدرجة الأولى، قبل أن تكون أي صنف آخر من الأزمات التي تعتور حياة الناس ومجتمعاتهم وحضاراتهم، فتلقي بهم خارج دائرة التاريخ تارة، أو تجعلهم ذنبًا في مؤخرة الركب تارة أخرى. فحياة الحضارة - إن صح التعبير - مرهونة بحياة الفكر فيها، ومدى حيوية وجديته، وملاءمته للواقع، ومواكبته للمتغيرات، مع احتفاظه بكينونته وهويته التي تميزه عن غيره من أنماط الفكر.
وأين المسلمون - ويا حسرة على العباد! - قد خفُت فيهم ضياء الفكر، وخبا شعاعه منذ فترة، قد يختلف على تحديدها المؤرخون، من زاعم أنها بدأت منذ عصر اضمحلال الخلافة العثمانية، وممن يمتد بها إلى العصر الحديث، الذي انهارت فيه دولة الخلافة انهيارًا قاضيًا، وتفتت شمل الأمة المسلمة إلى أمم تعرف من الإسلام ما تعرف، وينكر منها الإسلام ما ينكر، ولكن لا يختلف المؤرخون - في النتيجة النهائية - أن العالم الإسلامي قد ضحّى بما أُرثه من قدرة على إنماء الفكر وصياغته في صورة حركة دافقة دافعة، وركن إلى التقليد و"الاستيراد"، تقليد الأفكار واستيراد المنتجات!. وكلنا يعرف أن هذا المناخ لا يتولد إلا عن مناخ تغيب فيه الحريات، ويكبل فيه العقل، فيركن إلى التقليد والاستيراد.
من هذا المنطلق، فإن أية"حركة"إصلاحية تقصد إلى إعادة الأمور إلى نصابها - ورد الحقوق إلى أهلها - يجب أن تدرك أن حركة الفكر هي المنطلق الحقيقي والوحيد لبلوغ الغاية المقصودة.
حين تنعزل الحركة عن الفكر فإنها تصبح شبيهة بالتشنج العصبي، الذي لا يحكمه عقل، ولا يوجهه منطق، وحين ينعزل الفكر عن الحركة فإنه يصبح أشبه ما يكون بأماني الأسير في الحرية، وجود خيالي لا يدعمه واقع، ولا يتجواز عقل صاحبه، فالفكر والحركة - إذن - هما وجهان لعملة واحدة، نتاجها الإنجاز الإيجابي.
إن الفكر هو حركة العقل التي ينبني عليها تفاعل الأحداث وحركة المشخصات لتحقيق أهداف مرسومة. والحركة هي تجسيد الفكر في وقائع وأحداث تجري على ما رسمه الفكر وحدده.
والحركة بلا فكر لا ينشأ عنها إلا الفوضى، التي لا تقضي أمرًا، ولا تصيب نجاحًا، بُلَهَ مجافاتها للمقاصد الشرعية التي تبني اجتهادات المسلم على غالب الظن، وما هو إلا نتيجة النظر الفاحص الذي يدرك أن غالب الظن متحقق في نفس الأمر.
والفكر بلا حركة لا ينشأ عنه مجتمع حقيقي واقعي، يعالج مشاكل الناس، ويدفعهم لحيازة نصيبهم من الدنيا، وابتغاء الدار الآخرة، بل هو أقرب إلى"اليوتوبيا"- أو هكذا سموها - حيث يتخفف المفكرون من عبء الواقع ومعالجته، ويركنون إلى وهم الخيال ووهنه.
فالفكر والحركة متلازمان، لا ينفك أحدهما عن الآخر إلا في فترات الهبوط الحضاريّ، حين يغشى على أعين المخلصين ما يغشى، فتتوه عنهم تلك العلاقة الوثيقة التي تجعل الانفصال بينهما بداية الانحطاط ووسطه ونهايته.
والغرب قد احتفظ بهذا الوقود الحضاري الذي يذكِّي القوة الدافعة البناءة، فأنتج تقدمًا فاق به المسلمين، وتغلب عليهم على الرغم مما هو فيه من خراب عقائدي، وانهيار خلقي. ولعله من الجدير بالذكر هنا - مما يعين على تقدير أهمية ما نرمي إليه - هو ما نلاحظه من أن نسبة منْ تفوق في مجال الإنتاج الإسلامي من مجموع المسلمين الجدد من أهل أوروبا أو أمريكا هي أعلى بشكل واضح من نسبة من برز من أهل العلم والفكر من أهل الإسلام الناشئين في الشرق، بل ومستوى الفرد العاميّ المسلم الذي تحول حديثًا إلى اعتناق الإسلام من أهل الغرب أعلى من نظيره من عوام مسلمي الشرق، ممن ينتسب إلى أهل السنة والجماعة في الحالين. و ما هو - كما نرى - إلا نتيجة للمناخ الفكري الأساسي الذي يتمتع به الغربيون، فيحملونه معهم حين التحول إلى الدين الجديد. وصحيح أن الآفاق التي يحلق فيها من تحقق بالعلم من أهل الشرق لا تزال أعلى بكثير من نظرائهم من إخواننا من المسليمن الجدد، ولكن النسبة العددية هي ما نرمي إليه لإثبات تأثير المناخ الذي يتحرك
(يُتْبَعُ)