فهرس الكتاب

الصفحة 7759 من 28557

أمر آخر اتسمت به حركة الإخوان - وكان من تداعيات ما اتصفت به الحركة من صفات مررنا بها في السطور السابقة - وهو اعتماد مذهب"الولاء قبل الكفاءة". فإنه كان من جرّاء التوسع في قبول المنضمين إلى حركة"الإخوان"دون قيد أو شرط أن احتاجت القيادات إلى توفير عدد أكبر من الموجهين للأعضاء الجدد. إلا أن ذلك كان مصحوبًا بما هو أعمق أثرًا في اعتماد هذا المبدأ , وهو نظرة الإخوان إلى أهمية العلم الشرعيّ لدى أفراد التنظيم عامة - كما ألمحنا آنفًا - وعدم قدرتهم على التمييز بين العضو العادي والعضو العامل والعضو الموجه. كذلك فإن التوجه السياسي للحركة أملَى أن يكون لها قاعدة عريضة من"المشجعين", تعتمد عليهم في صراعها على السلطة من خلال مبدأ الأغلبية. والإخوان لا يعتمدون - في دوائرهم - مَن لا يبايع على العمل؛ فالبيعة هي مفتاح الدخول إلى دائرة العمل في الجماعة بغضّ النظر عن القدرة العلمية. ولا شك أن اعتماد هذا المذهب يناقض المبادئ الإسلامية بشكل عام , ويناقض مبادئ العمل الجماعيّ في صورته الاجتماعية العامة بشكل خاص؛ فالأصل أن يولَّى من المسلمين أفضل مَن يصلح للعمل من حيث العلم الشرعيّ والقدرة على أداء المهمة الخاصة المنوطة به , و"ذمة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم"كما في البخاريّ , كتاب الفرائض , ولكن لكي لا نظلم تنظيم الإخوان , فإن هذا المبدأ قد اعتمدته غالب الاتجاهات الإسلامية الأخرى , حتى مَن انتسب منها إلى أهل السنة والجماعة , وأعلن تبرُّؤَه من ذلك المبدأ قولًا. ويظهر أن ذلك إنما صَاحَبَ اعتماد السرية في العمل؛ نظرًا للواقع المحيط , فكان أن لجأت القيادات إلى استخدام مَن التزم البيعة حرصًا على سرية العمل. كذلك فإن ضعف القيادات وحب السيطرة والنفوذ قد ألجأ بعضها إلى تقريب مَن أعلن خضوعه لأشخاصهم , بغض النظر عن التزام الجماعة , فاتخذوهم معاونين ومساعدين , وجعلوهم مسؤولى كذا وكذا في التنظيم , وهو ما أدى إلى ضعف الأداء في كثير من الأحيان , وإلى توليد مشاعر القيادة والعلو في نفوس ممن لا يملك القدرة ولا الأدوات اللازمة للقيادة.حركة"الإخوان"إذن - كما يراها مَن لم يرتضِِ خطهم السياسي والعقائديّ - هي حركة سياسية , اعتمدت خطًّا عقائديًا , اختلطت فيه شُبَه الإرجاء , وتُرَّهات الصوفية بعقائد السنة! , وارتضت العمل من خلال النظم السياسية القائمة , والدخول في الانتخابات لمحاولة الوصول إلى الحكم , وقضية اعتماد العمل من خلال النظم القائمة - والدخول في الانتخابات - هي من أعقد القضايا التي نعت الاتجاهات الإسلامية الأخرى على الإخوان اعتمادها بحق أو بباطل , وهو ما لا محل للخوض في تفصيلاته , والفصل فيه في هذا المقام.يتضح مما سبق أن الأمر ليس أمر تجنٍّ أو تعصب ضد جماعة بذاتها , وإنما هي حركة التاريخ , فرضت نفسها على الحركة الإسلامية في قاعدتها العريضة الممثلة في الإخوان آنذاك , فاستُبدلت - جزئيًا - تلك الحركة التي لم يواكب فكرها الحركي معطيات الواقع الحال , ولم يتطابق فكرها العقائدي ما كانت عليه عقيدة الإسلام في صفائها الأول دون شغب الإرجاء وتسيبه , بما ظهر من حركات جديدة , صحيحها وسقيمها , وكان أن تشكلت تلك الجماعات الإسلامية التي عاصرنا صعودها في السبعينيات , والتي وردت موارد فكرية وحركية ليست من موارد الإخوان في شئ.

ثم هناك كلمة أخيرة , أود أن أتجه بها إلى المتحاورين في هذا الأمر: أن اتقوا الله -سبحانه - واطلبوا الحق , وانشدوا الإنصاف , ولا تجعلوا الانتماء لجماعة أو مذهب أو التقدير لشخص من الأشخاص - مهما علا قدره - أو ما تلونت به التجربة الشخصية التي قد تُعجز المرء عن إدراك الصحة في قول المخالف , أقول: لا تدعوا هذه الأمور حائلًا بينكم وبين البحث عن الحق بلا هوى أو تعصب؛ فإن أحدهما - وإن إنفرد - هو الحالقة التي تحلق الإنصاف , وتشوه الحقائق. والله - سبحانه - المستعان

[مجلة المنار الجديد، 2000]

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت