ـ [أبوالطيب الروبي] ــــــــ [12 - Jan-2010, مساء 08:59] ـ
الوثيقة الجديدة لوزارة الثقافة المصرية
(ألحد نجعلك مبدعًا) !
الأصل أن مهمة وزارة الثقافة أن تنشر الثقافةَ والوعي بين أفراد الشعب، بأنْ ترعى المبدعين من الكتَّاب والأدباء والشعراء والروائيين، وتقدِّمَ أعمالَهم للجمهور، وتشجعَهم وتنشرَ إبداعهم.
ومن المفترض أن في الثقافة ثوابتَ، كما أن لكل حرفةٍ وعلم ومؤسسة ثوابتَ لا تتنازل عنها، فكان على وزارة الثقافة المصرية أن يكون من ثوابتها احترامُ معتقدات الشعب الذي يتعاطى موظَّفوها أموالَهم من جيوبه.
غيرَ أن وزارة الثقافة أخذتْ على عاتقها منذ أمدٍ بعيد إهانةَ مقدسات الشعب - الذي يدفع من جيوبه رواتب موظفيها، وجوائز مبدعيها - بحُجة التنوير وحرية الفكر والرأي؛ يعني: من أجل حرية كاتبٍ أو أديب، لا بأس من إهانة مشاعر الملايين؛ عملًا بالحكمة العلمانية العوراء"حريتي على حساب حرية الآخرين"!
عقودٌ مضتْ على سياسة وزارة الثقافة والشعبُ المصري المغلوب على أمره تُستنزف أموالُه في إعطاء جوائزَ ونشرِ أعمالٍ فيها ما يهين معتقداتِه، ويسخر من مقدساته، ويستخف بمسلَّماته، ويحارب قيمَه ومُثُلَه العليا، وهو صابر صامت، لا يملك سوى الآهات والحوقلة، يخشى إن خرج عن صمته أن تصفه وزارة الثقافة بالجمود والرجعية والظلامية، أو أن تلفق له وزارة الداخلية تهمةَ التطرف والإرهاب، والتعاون مع (القاعدة) و (الزاوية) و (الضلع) !
وعمل الشعبُ الظريف، ذو الأمثال العجيبة، والنكات الحكيمة، بالمثل القائل:"ابق مع الكذاب إلى الباب"، فبقي مع وزارة الثقافة التي وعدتْه بأن هذه الأعمال التي تتبنَّاها، وتنفق على طبعها وترويجها، وتكرِّم أصحابَها وتعطيهم الجوائز، وإن كان فيها سبُّ الرب الذي يؤمن به هذا الشعبُ، واستهزاءٌ بالدين الذي يدين به، وانتقاصُ الشريعة التي يعتنقها وينضوي تحت رايتها - هي الباب الذي نلج منه إلى جنة التحضُّر آمنين سالمين، وأن من شأن حرية الفكر أو (الكفر) أن يقطع دابر المشكلة الاقتصادية التي أنهكتِ البلادَ والعباد، وأن يأخذ بأيدينا كي نحيا متمدِّنين متحضرين، وأنه بذلك ستغيب عنا شمسُ الرجعيَّة، وتشرق علينا شمس المدنية؛ فيأكل الناس اللحوم والكنتاكي، بدلًا من الفول والطعمية، وتصبح بولاق كالزمالك، والكيت كات كجاردن سيتي، وتكون المواصلات آدمية لنقل الركاب كما هي في نيويورك، بدلًا من"الشعبطة في الأتوبيسات"، وأننا سنكتب على القنبلة الذرية والصواريخ عابرة القارات:"صنع في مصر"، وأن الناس سيتعلَّمون الأمانة بعد أن كان يرتشي المحافظ والوزير فما دون، وأن الرجال والشباب سيمشون في الطريق لا يمسُّ النساءَ منهم مكروهٌ من تحرشٍ باللفظ أو بالفعل، بعدما أصبح الجنس حقًّا على المشاع في إبداعات كُتاب وزارة الثقافة، وأفلام وزارة الإعلام!
بقي الشعب المسكين - الذي عاش دائمًا يعتز بدينه، ويفاخر بقيمه - يتجرَّع إهانات"مبدعي"وزارة الثقافة يومًا بعد يوم، في انتظار موعود (قديسي) العلمانية بوزارة الثقافة، الذين أعطوا صكوك التنوير والتجديد لكل من أساء إلى دين الله، أو رضي بذلك؛ ليدخل جنة التحضر والتمدن، بعد تعميده في نهر كتابات (آباء الحرية) في باريس ولندن وواشنطن.
لكن لم يحدث ما انتظره الشعب البائس المغلوب على أمره، الذي لا يجد بعضُ أفراده ما يسد به جوعتَه، أو يستر به عورتَه، ولا يجد بعضُ مَرضاه سريرًا له في المستشفى، في الوقت الذي تنفق حكومتُه (المتحضرة) الآلافَ المؤلفة على حفلات (الأوبرا) الموسيقية، ومباريات كرة القدم، جاعلةً شعارَها الفقرة (ب) من الإصحاح الخامس في التلمود العلماني:"الحق نقول لكم: لا تكونوا كالبهائم تريدون طعامًا وشرابًا وعلاجًا! كم من مريض كان شفاؤه في سيمفونية لـ"بتهوفن"! وكم من جائع قد شبع بعد تمتعه بهدف لـ"مارادونا"! وكم من عارٍ قد اكتسى بعد رؤيته أفلام"شارل شابلن"! تمتَّعوا بالفن والرياضة، تشبعوا وتصحُّوا وتكتسوا"!
ومرَّت السنون ولم يحصل موعودُ قديسي وزارة الثقافة، ولم يرَ الغلابةُ جنةً ولا يحزنون، وظهر أن صكوك وزارة الثقافة كصكوك الغفران في القرون الوسطى، وأن (حرامية) العلمانيين نسخةٌ متأخرة من (حرامية) الكنيسة.
(يُتْبَعُ)