ـ [أبو عبد الرحمن الجزائري] ــــــــ [04 - Jun-2008, مساء 09:34] ـ
ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدّين، وبعد: فإن الله تعالى يقول في القرآن الكريم: {وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا} [الأعراف:56] . قال الإمام ابن كثير، رحمه الله تعالى في تفسيره: «ينهى تعالى عن الإفساد في الأرض، وما أَضَرَّهُ بعد الإصلاح، فإنه إذا كانت الأمور ماشية على السداد، ثم وقع الإفساد بعد ذلك كان أضرَّ ما يكون على العباد، فنهى تعالى عن ذلك» انتهى كلام ابن كثير رحمه الله.
وقد بيّن الله تعالى في كتابه الكريم أنّ من صفات المنافقين الإفساد في الأرض وهم يدّعون الإصلاح، قال الله عزّ وجلّ: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ} [البقرة:11] والفساد في الأرض يكون بالشرك والمعاصي، والمعاصي تشمل كل المحرّمات كقتل الناس، وترويعهم، وغصب أموالهم وهتك أعراضهم، وإفساد أموالهم، والاعتداء على عقولهم بالسحر والمخدّرات، وغير ذلك من السيّئات والمهلكات. وأخطر تلك المعاصي -بعد الشِّرْك- قتل النّفس بغير حق، فقد قال تعالى: {مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ} [المائدة:23] . وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أوّل ما يُقضى بين الناس في الدّماء» [رواه البخاري (6533) ، ومسلم (1678) ] . وقال صلى الله عليه وسلم: «لا يزال المرء في فسحة من دينه مَالم يُصِب دما حراما، فإذا أصاب دمّا حرامًا بَلّح» [رواه البخاري (6862) ، وغيره] . ومعنى بَلَّح: وَقَعَ في الهلاك. وقال صلى الله عليه وسلم: «ما مِن نفس تُقتل ظلما إلا كان على ابن آدم الأول كِفْلٌ من دمها، لأنه أولُ من سَنَّ القتل» [رواه البخاري (3335) ، ومسلم (1677) ] . وهذا الوعيد الشديد، والتحذير الأكيد من قتل النفس بغير حق وارد على ما إذا كان باسم الدنيا ومصالحها، فأمّا إذا كان الاعتداء بالقتل بغير حق باسم الدّين فالأمر أخطر والخطْب أعظم، لما فيه من الكذب على الله والافتراء عليه، حيث يزعم القاتل أن الله تعالى هو الذي أذِن له بإزهاق تلك الأنفس البريئة، إنه فساد عظيم في الأرض بعد إصلاحها، ويتوسّع الخطر، ويعظم الأمر إذا كان يُمارَس القتلُ، والأرض في طور الإصلاح، والمسلمون يعودون رويدًا إلى طريق النجاح والفلاح، والمصلحون من علماء وحُكَّام، يحاولون تفهيم الناس الدّين الصحيح، ولَمِّ الشمل الجريح، فيأتي المتعجّلون الذين لا ينظرون أبعد من أنوفهم، فيُفسدون ما قد انصلح، ويزيدون فسادًا ما هو فاسد أصْلًا، ويفرّقون ما هو مُمَزَّقٌ قِطَعًا، فينفر من الدّين لا أقول الكافرون بل كثير من المسلمين، حتى يُصبح الالتزام بالدّين أمرًا مُخيفًا، والسير على طريق الإسلام شيئًا مُريبًا. فقد أساء هؤلاء المفسدون إلى سمعة الإسلام والمسلمين، حيث أعطوا المبرّرات لأعداء الإسلام -الذين يطعنون فيه دائما- للطعن فيه، ومخاطبة الناس قائلين: أَلَمْ نقُل لكم إن المسلمين إرهابيون؟ قَتَلَةٌ؟ لا يرتاحون إلا إذا شاهدوا الدّماء والأشلاء؟ ألم نقل لكم إن هذا الدّين الإسلامي لا يصلح للبشرية، إنه دين دموي، دين همجي، لا يعترف بالآخرين؟ ألم نَقُل ... ألم نَقُل ... ، ألم نُحذّركم مرارًا وتكرارًا ... هكذا يرفعون أصواتهم، ويركضون سرًّا وجهرًا، وفي أيديهم صور الدّمار والقتل الذي قام به المسلمون!!. إذن أقول من أَعْطَى لهؤلاء الأعداء المبرّرات؟ إنهم المتعجّلون، إنهم الجاهلون بحقيقة الإسلام، إنهم غير المتخصّصين في علوم الشريعة الإسلامية السمحة أمثال الطبيب العاطفي، والمهندس المتحمّس، والجاهل المنغمس، الذين لم يدرسوا على أيدي العلماء
(يُتْبَعُ)