فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
ـ [حسام الدين حامد] ــــــــ [16 - Oct-2010, مساء 11:28] ـ
ربما كان الأبلق العقوق أيسر تحصيلًا وأدنى مطلبًا، من مؤرخٍ للأفكار لا يضمّن فلسفة اليونان كتابَ بحثه، بل يكاد مبدأ البحث ألّا يخرج عن هذه الفلسفة، ولما كانت قواعد الحفظ قد تخلفت عن أمة اليونان، ولم ينصب من رجالهم أحدٌ في هذه المهمة، صعب الكشف عن أقوال رجالهم، وعز السبيل إلى جزمٍ بمعنى نصوصهم، فما أسهل أن تنسب قولًا ما لأحد فلاسفة اليونان! وما أصعب أن تحقق نسبةَ هذا القول إليه! ويندُر أن ترى -ولم أجد- باحثًا غربيًّا يبذل وقته، في تحقيق نسبة قولٍ ينحله اليونان، كما يبذل في غير ذلك من مباحث تخصصه، ولا يكسر ذلك على باحثيهم إلا بعض المتخصصين في تدريس فلسفة اليونان! حتى تكون الجملة الواحدة من الرجل الواحد، بابًا لبحثٍ إضافيٍّ يتجشمه الباحث، ولراحةٌ مؤثرة، وسرعةٌ مؤملة، كفيلان بأن يُنسب لليونان ما ليس من قولهم، وأن يُنفى عن الرجل ما هو عماد مذهبه، ومن عساه يبذل وقته في تحرير مذهبهم ببحثٍ آخر لا وقتَ له؟!
ولم يكن البحث في أصول نظرية التطور بخارجٍ عن هذا السياج، وسترى عينُك أن النظرية قد نُسبت إلى قومٍ ما خطرت ببالهم، أو هي على النقيض من قولهم، وستقر عينُك بفوائد شتى في هذا الباب بإذن الله، أسأل الله التوفيق والسداد، وأن يوفقنا إلى قول العدل ومراعاة الإنصاف!
يقول إيزادور جيفروي: (لا شكَّ أنّ عديدًا من الفلاسفة -من قديم الأزمان- تخيّل -ولو بصورة مبهمة- أن نوعًا ما يمكن أن يتحول إلى آخر، ويظهر أن المدرسة الآيونية قد تبنت هذا المبدأ منذ القرن السادس قبل الميلاد) (1) .
وأول من يُنسب إليه القول بنظرية تطورية - من اليونان - هو Anaximander أنكسيمندر (610 - 540 ق. م) ، وهو"أعظم أعلام المدرسة الأيونية منزلةً، وأوسعها شهرةً، وأكبرها أثرًا" (2) ، وهو يرى أن الحيوانات جميعًا كانت بدايتها في المياه محاطةً بلحاءٍ شائك، وبعد ذلك انتقلت إلى الأجزاء اليابسة من الأرض فانشق عنها اللحاء، وعاشت على الأرض حينًا من الزمن، استبقت فيه نوعها بالتناسل، ولما كان الإنسان يختلف عن هذه الكائنات، من جهة كونه لا يستطيع حماية نفسه في صغره، ويحتاج إلى سنين عديدةٍ ليستطيع القيام بشأن نفسه، وبالتالي فخروجه إلى اليابسة رضيعًا دون أسرةٍ تحميه، يعني أنّه سيموت فينقرض نوعه وهذا ما لم يحدث، خرج أنكسيمندر من هذه المعضلة باستثناء الإنسان من هذا العموم، فزعم أن الإنسان نشأ عن الأسماك، بعد أن ظل في جوفها حتى بلغ سنًّا يؤهله، لحماية نفسه والتكاثر ثم حماية نسله، وليس هناك ما يمنع أن يكون أنكسيمندر قال بهذا القول في سائر الحيوانات، التي يعجز صغارها عن رعاية نفسها في وقتٍ قصير، ولكنّ الذي بلغنا هو قوله في الإنسان وحسب (3) !
ولو بعدنا عن المتخصصين في الفلسفة اليونانية القديمة، فسنجد أمثلةً لإساءة فهم قول أنكسيمندر، وحمله على غير مراده، بل أحيانًا على عكس مراده، يقول الأستاذ إسماعيل مظهر (4) : (وأقدم ما وصل إلينا مما عُثر عليه إلى الآن من تراث الأقدمين، هو ما قاله الفيلسوف الإغريقي"أنتكسمندر"- كذا الأصل! -(610 ق. م) "أن نشأة الكائنات الحية هو نتيجة تأثير الشمس على الأرض، وتميز العناصر المتجانسة بالحركة الدائمة، وأنّ الأرض كانت في البداية طينيةً ورطبةً أكثر مما هي عليه الآن، فلما وقع فعل الشمس دارت العناصر الرطبة في جوفها، وخرجت منها على شكل فقاقيع، وتولدت الحيوانات الأولى، غير أنّها كانت كثيفةً ذات صورٍ قبيحةٍ غير منتظمة، وكانت مغطاةً بقشرةٍ كثيفةٍ تمنعها من الحركة والتناسل وحفظ الذات، فكان لابد من نشوء مخلوقاتٍ جديدة، أو بسبب ازدياد فعل الشمس في الأرض لتوليد حيواناتٍ منتظمة يمكنها أن تحفظ نفسها وتزيد نوعها، أما الإنسان فإنّه ظهر بعد الحيوانات كلها، ولم يخل من التقلبات التي طرأت عليه، فخُلقَ أول الأمر شنيع الصورة ناقص التركيب، وأخذ يتقلب إلى أن حصل على صورته الحالية" (5) ، وهذه الفقرة تحمل معظم مبادئ أصل الحياة والنشوء والارتقاء، والانتقاء والتمايز وتأثير الظروف المحيطة، وإذا كانت قد كُتبت من ستة قرونٍ قبل الميلاد، فلابد من وجود تلالٍ من المحررات المماثلة السابقة لهذه الحضارة المتوسطة الموضع في سجل الحضارات) (6) ،
(يُتْبَعُ)