فهرس الكتاب

الصفحة 27400 من 28557

والفرق بين قول أنكسمندر وما نحلته إياه دائرة المعارف للبستاني واضحٌ لا يحتاج إلى تفصيل.

وإن استزدت ضغثًا على إبالة - عافاك الله من كل سوء - فدونك قول برتراند رسل:

(أما رأى أنكسيمندر في أصل الإنسان فكان"حديثًا"إلى حدٍّ بعيد، ذلك لأن ملاحظته أن الإنسان يحتاج في صغره إلى فترةٍ طويلةٍ من الرعاية والحماية جعلته يستنتج أنه لو كان الإنسان دائمًا على ما هو عليه الآن لما تمكن من البقاء، وعلى ذلك فلا بد أنه كان فيما مضى مختلفًا، أي لا بد أنه تطورَ من حيوانٍ يستطيع أن يرعى نفسه في وقتٍ أسرع، وهذه حجةٌ في الإثبات يطلق عليها اسم"برهان الخلف reduction ad absurdum"وفيها تستدل من افتراضٍ معينٍ على نتيجةٍ واضحة البطلان، وهى في هذه الحالة أن الإنسان لم يستطع البقاء، فيترتب على ذلك ضرورة رفض ذلك الافتراض.

ولو كانت هذه الحجة سليمةً أعني لو أن الإنسان كان دائمًا على ما هو عليه الآن، يترتب عليه أنه ما كان يستطيع أن يستمر في البقاء -وهى نتيجةٌ أعتقد أنها صحيحة- لأصبح في استطاعة هذه الحجة دون أي برهانٍ آخر أن تثبت أن هناك بالفعل نوعًا من العملية التطورية المستمرة.

غير أن أنكسيمندر لم يكتفِ بهذه الحجة بل مضى إلى القول إن الإنسان يرجع أصله إلى أسماك البحر، وأيد ذلك بملاحظاتٍ عن حفرياتٍ باقية كما أيده بملاحظة الطريقة التي تطعم بها أسماك القرش صغارها، وبناء على هذه الأسباب كان من الطبيعي أن ينصحنا أنكسيمندر بالامتناع عن أكل الأسماك، أما مسألة ما إذا كان إخوتنا في أعماق البحار يبادلوننا نفس هذه المشاعر الرقيقة، فتلك مسألةٌ لم يقم عليها دليل!) (7) .

(أما الجزء الآخر من أعمال داروين، والأقل أصالةً بكثيرٍ فهو نظرية التطور، التي ترتد في بدايتها كما رأينا إلى الفيلسوف اليوناني أنكسيمندر، فكل ما فعله داروين هنا هو أنه قدم كميةً هائلةً من التفصيلات الواقعية، المبنية على ملاحظته الدءوب للطبيعة، أما براهينه على التطور فإن قيمتها تتفاوت، ولكنها كانت قطعًا ترتكز على أسسٍ أقوى من تلك التي ارتكز عليها سلفه اليوناني الكبير) (8) .

وكلام رسل لا يخلو من غلطٍ وتلبيس، فقوله عن برهان أنكسيمندر (في استطاعة هذه الحجة دون أي برهانٍ آخر أن تثبت أن هناك بالفعل نوعًا من العملية التطورية المستمرة، غير أن أنكسيمندر لم يكتفِ بهذه الحجة بل مضى إلى القول إن الإنسان يرجع أصله إلى أسماك البحر، وأيد ذلك بملاحظات إلخ) ، يوهِم أنّ أنكسيمندر استدل ببرهان الخلف على عمليةٍ تطوريةٍ مستمرة، بينما زاد القول بنسبة الإنسان إلى الأسماك بناءً على ملاحظاتٍ أخرى!! ومحصلة هذا التلبيس - مقصودًا أو غير مقصود - أنّه يمكن الأخذ بحجة برهان الخلف في الدلالة على العملية التطورية المستمرة، دون أخذٍ بالملاحظات التي بنى عليها ردّ أصل الإنسان إلى الأسماك!! بينما الثابت أنّ أنكسميندر استدل ببرهان الخلف نفسه على ردّ أصل الإنسان الأول لجوف الأسماك على الكيفية التي سبق بيانها، وأمّا أن ملاحظة كيفية إطعام أسماك القرش لصغارها هي الدافع لرد أصل الإنسان للأسماك، فهذه دعوى لا دليل عليها ولا على قول أنكسيمندر بها! وبغض النظر عن هذا كله، فهل يمكن الاعتماد على برهان الخلف هذا في الاحتجاج على عمليةٍ تطوريةٍ مستمرة؟!

الحقيقة أنّ برهان الخلف الذي يرى رسل أنّ (في استطاعة هذه الحجة دون أي برهانٍ آخر أن تثبت أن هناك بالفعل نوعًا من العملية التطورية المستمرة) ، هو حجةٌ على نقض التطور لا إثباته، لأن النوع الأول في العملية التطورية، النوع الأول الذي يكون رضيعه ضعيفًا يحتاج لحماية الآباء كالإنسان، إن نتج من آباءٍ ينتمون إلى نوعٍ آخر لا يحتاج فيه الرضيع إلى أبيه، فإن هذا الرضيع إن نتج بعمليةٍ تطوريةٍ داروينية، لن يتمكن من العيش حتى البلوغ، إلا إن كان الداروينيون يفترضون أنّ النوع الأبوي سيستنبط بفطنته وذكائه الحيواني (!) أنّ الجنين يختلف عن بقية الأجنة، وأنه يحتاج إلى رعاية من نوعٍ خاصٍ سيقدمها الآباء وهم لم يعهدوها من قبل!

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت