فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
إن المتأمل في جواب أنكسميندر - على غرابته - يجده أكثر منطقيةً في جواب هذه المعضلة من نظرية التطور، إذ إنه خرج من الحالة التي يعجز الإنسان فيها عن حماية نفسه، إلى حالةٍ تحميه وتحافظ عليه حتى يستطيع الخروج، أما التطور فإنه يجيب عن المعضلة بمعضلتين، فيدّعي أن الجنين العاجز عن حماية نفسه جاء من نوعٍ آخر، يكون فيه الآباء قادرين على النمو السريع دون حاجة لحمايةٍ في صغرها، وبالتالي يظهر سؤالان يعجز التطوري العاقل عن جوابهما: كيف عرف الآباء أن الجنين الجديد في حاجة إلى حماية ولم يتركوه كما تُركوا في صغرهم؟! وعلى فرض أنهم عرفوا حاجة الجنين للحماية فكيف وفّروها له وهم لم يعهدوها قبل ذلك؟!
أما الجواب الصحيح لمعضلة أنكسمندر، فهو ما يعتقده أهل الحق المؤمنون بالله تعالى، أنّ الله تعالى خلق الزوجين الذكر والأنثى، ثم أهبطهما إلى الأرض وقد هداهما السبيل، وعلى هذا فإنّ معضلة أنكسميندر تعجز نظرية التطور عن حلها، بل إن جواب اليوناني - رغم خرافيته - أكثر منطقية من الداروينية، والجواب الصحيح هو المعتقد الإسلامي، أن الإنسان الأول أُهبط إلى الأرض تام الخلق، ولم ينزلها جنينًا لا يستطيع الدفع عن نفسه!
وخلاصة الأمر أنّ كلام رسل فيه قفزاتٌ غريبة، توهم القارئ أنّ نظرية التطور كفيلةٌ بحلّ المعضلة التي طرحها الفيلسوف اليوناني، وتوهم أنّ الفيلسوف اليوناني يقول بنظريةٍ تطورية، وكما رأيتَ فإنّ التطور يقع في معضلتين لا معضلةٍ واحدة، أما عن نسبة أنكسيمندر لنظرية تطورية، فأحسن تقريرٍ في هذا هو قول جوناثان بارنز (لقد نُعتَ أنكسميندر بأنه الدارويني الأول، وهناك أسس لهذا المدح .. غير أنّ المدح لا ينبغي أن يبدد الدقة ويستخف بها بطريقةٍ تثير الاشمئزاز ... فلم يقرر أنكسميندر أكثر من كون الجيل الأول من كل نوع قد نشأ من لحاءٍ أو محارة، وليس هناك أية فكرةٍ عن طريقة للتكاثر حدثت أكثر من مرة، أو أن الجيل الأول قد سُبق بسلسلة من الأجداد، أو أنه بعد الظهور فإن القطط أو البقر أو الدواجن أو الخيول الأولى اختلفت عن نسلها الحالي من أي وجه، ولم تكن نظرته لأصل الجنس البشري تطوريةً أيضًا، إذ المرجح أن الآباء السمكية للإنسان الأول تمثل نظير الأصول الجامدة التي نشأت منها الحيوانات الأخرى، الفرق أن اللحاء الذي احتوى الإنسان لم ينشق عنه إلا بعد مرحلةٍ متقدمةٍ نسبيًّا!) (9) .
الحواشي:
(2) الانقطاعات المعرفية في الفكر الفلسفي اليوناني حتى عصر أرسطو - سمر سمير أنور - صفحة 46.
(3) ينظر كلام أنكسيمندر في:
(4) الأستاذ إسماعيل مظهر هو أول من قام بترجمة كتاب أصل الأنواع إلى اللغة العربية.
(5) أحال الأستاذ إسماعيل مظهر على دائرة المعارف العربية للبستاني.
(6) أصل الأنواع - تأليف: تشارلز دارون - ترجمة: مجدي محمود المليجي - صفحة 52.
(7) حكمة الغرب - برتراند راسل، ترجمة د. فؤاد زكريا - م1 ص 31 - 32.
(8) السابق: 2 - 165 و 166.