فهرس الكتاب

الصفحة 20092 من 28557

ـ [ابن هشام الدمشقي] ــــــــ [26 - Sep-2009, صباحًا 10:09] ـ

بسم الله الرحمن الرحيم

قال الشيخ المهتدي بالله الإبراهيمي في توفيق اللطيف المنان (1/ 272 - 274) ضمن الرد على من ادعى أن العلماء اختلفوا في تكفير جاهل صفة القدرة، وأوضح حقيقة الخلاف بين الطبري والأشعري فقال:

(وهذا المذهب مذهب قديم جديد، ونخاطب القائلين به ونقول لهم، عبارة(جاهل الصفات) هي عبارة مجملة لم تبين الصفات المقصودة، أهي صفات الربوبية، أم صفات أخرى، فربما كان العلماء يقولون هذه العبارة عن المسلمين ولا يصح أن يكون إلا هذا، فلو قلنا مسلم جاهل بالصفات، لتبين أن الصفات المقصودة هنا هي ما كانت خارجة عن الصفات الواجبة على كل موحد وموحدة معرفتها ابتداءً.

فإن قالوا: بل هي صفات الربوبية لأنه لا خلاف بين العلماء حول عذر من جهل الصفات الخبرية مثل اليد والاستواء.

قلنا لهم بحول الله تعالى: من فهمتم عنهم من العلماء أنهم لا يكفرون جاهل صفات الربوبية، وهل لا يكفِّرون جاهل كل صفات الربوبية أم بعضها؟ فإن قلتم بعضها فهلاَّ حددتموها لنا بأدلتها الشرعية!

فانظر حينها كيف سيتخبطون بالإجابة تخبطًا عجيبًا، فقبحًا لمن يجعل طريق الإيمان برب العالمين هو طريق الجهل بصفات ربوبيته! فشبهتهم أوهى من بيت العنكبوت لمن وفقه الله عز وجل.

لتعلم بداية أن الخلاف الحاصل بين العلماء والذي سمي خلافًا في تكفير جاهل الصفة المقصود منه الخلاف الحاصل في تكفير من قال: أنا أقر أن الله عالم ولكن ليس بصفة العلم بل بذاته، ففرقوا بين الصفة والوصف.

فمِمَّن كفرهم بذلك الإمام ابن جرير الطبري (224 - 310هـ) والإمام الأشعري في رأيه الأول، ولم يقبلوا من هؤلاء هذا التأويل وقالوا لا يوصف بعالم إلا من كان له علم، لكن الإمام أبي الحسن الأشعري تراجع عن تكفيرهم في آخر حياته وقال أن الاختلاف هو في العبارات فقط كما فصلنا في هذه المسألة في الباب الثاني من هذه الرسالة.

فإن قلت: فما علاقة هذا الخلاف بحديث الرجل هذا؟ فمسألة الحديث تدور على جهل حقيقة القدرة وليس على القدرة كصفة معللة ومبينة.

قلت: نعم، لا علاقة لهذا الخلاف بحديث الرجل هذا، لكن جاءت طائفة فهمت هذا الخلاف فهمًا خاطئًا وظنوه خلافًا في من جهل حقيقة الصفة. وإليك أقوال العلماء في بيان ذلك.

قال الإمام أبو العباس القرطبي (578 - 656هـ) في معرض شرحه لحديث الرجل المسرف على نفسه الموصي أولاده بحرق جسده بعد موته خشية من الله وخوفًا: (القسم الأول: طائفة حملت ذلك على ظاهره، وقالوا: إن هذا الرجل جهل صفتين من صفات الله تعالى وهما: العلم والقدرة، ومن جهل ذلك لم يخرج من اسم الإيمان، بخلاف من جحدها، وإليه رجع أبو الحسن الأشعري، مع أنه قد كان تقدم له قول آخر بأنه مكفِّر. وهو مذهب الطبري.

قلت: وهذه الطائفة انصرفت عن معنى الحديث إلى معنى آخر، اختلف فيه المتكلمون، وهو تكفير من اعترف بأن الله قادر بلا قدرة، وعالم بلا علم، ومريد بلا إرادة، فهل يكفَّر أم لا يكفَّر؟ على اختلاف القولين المتقدمين. ولا يختلف المسلمون في أن من جهل أو شكَّ في كون الباري تعالى عالمًا به وقادرًا على إعادته كافر، حلال الدم في الدنيا، مخلد في النار في الآخرة؛ لأن ذلك معلومٌ من الدين بالضرورة، وجحده أو الشك فيه تكذيب للرسول صلى الله عليه وسلم قطعًا. فمقتضى الحديث بظاهره أن الرجل كافرٌ على مقتضى شريعتنا. ولذلك قالت طائفة: فلعل شرع ذلك الرجل لم يكن فيه الحكم بتكفير من جهل ذلك، أو شكَّ فيه، والتكفير حكم من الأحكام الشرعية فيجوز أن تختلف الشرائع فيه، كما قال تعالى: (لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا) (المائدة: 48)

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت