فهرس الكتاب

الصفحة 17085 من 28557

ـ [ابن الشاطيء الحقيقي] ــــــــ [21 - Apr-2009, مساء 12:17] ـ

من ُلجَجِ الاعتزال إلى لجاجة المنشئين في الحلية .. ! 3 - 3

د. حسن بن فهد الهويمل

لقد قرأت (أبا زيد) بوصفه متمكنا أمكن من مناهج النقد الحديث وبخاصة التفكيك والأنسنة، وشنآن المفكر بسبب انحرافه لا يجرمني على ألا أعدل أو ألا أستفيد، واستفادتي من مخالفي ومناوئي قد تفوق استفادتي من ....

..... موافقي ومناصري، ومما زاد اهتمامي به ترديه في مهاوي الهلكة وإصراره وعناده وتمسكه بآرائه التي لا تلوي على شيء، إذ كان في موقفه ألجُّ من خنفساء، وما ان تجاوزته عدت إليه حين ضج الرأي العام في مصر وابتدر انحرافاته الفكرية وإخفاقاته المعرفية المعذِّرون واللوَّم، وكنت في مصر في أوج ضجيج المحافل، ولم أدع شاردة ولا واردة تمس المشكلة المثارة إلا قيدتها قيد الأوابد، سعيًا وراء إحقاق الحق ونصرة الأخ ظالمًا أو مظلومًا، وكأني بالتاريخ يعيد نفسه:

وكم ذا بمصر من المضحكات

ولكنه ضحك كالبكاء

ومشكلة الإعلام في مصر بالذات الاهتياج الأعزل والاندفاع العاطفي المتشنج، لقد مرت مشاهده الفكرية منذ (حملة نابليون) وعودة (الطهطاوي) بتمردات لوجوه شتى، وليست ثورات.

فالتمرد لا ينطوي على شيء، فيما تنطوي الثورات على فلسفات (أيديولوجيات) تفرض نفسها، والمتحسسون عن المتمردين وآثارهم يروعهم ما يعتري المشاهد من لوثات يضيع معها الرشد، ويعلو قتام الجهل، وان تركت ركامًا من القول وردّ القول، نجد ذلك عند طائفة من المتمردين ممن مهّد لهم (الطهطاوي) والأفغاني و (محمد عبده) ، إذ جاء (قاسم أمين) و (طه حسين) و (مصطفي عبد الرزاق) و (عبد العزيز فهمي) و (محمد أحمد خلف الله) وآخرون تعرف منهم وتنكر، ولكل متمرد معوّله في الغرب، وآفاق العالم الإسلامي لا تخلو من متمردين يهدمون الأخلاق أو يقوضون الأفكار، ولكنهم ليسوا بحجم المتمردين في عالمنا العربي.

والذي ذهب إلى عدّ (أبي زيد) معتزليًا تعويله على العقل، وفاته أن جميع الفلاسفة المتقدمين والمتأخرين ما أضر بهم إلا إقدام عقولهم وإيغالهم في عالم الغيب واستدبارهم للنص أو تأويله تأويلًا فاسدًا، حتى لقد ملّ (الفخر الرازي) من التيه وندم على اشتغاله بالعلوم الغيبية، قال الطوغاني: قال الرازي: (يا ليتني لم اشتغل بعلم الكلام وبكى) ومن شعره:

نهاية إقدام العقول عقال

وأكثر سعي العالمين ضلال

وما وقع فيه (أبو زيد) من انحرافات فكرية لا أحسبُها ناتج تفكير مستقل واشتغال مباشر بالنص، وإنما هو ناتج ارتماء في أحضان الغرب والتقاط للخيط الماركسي الذي تلقفه من قبله (خليل عبد الكريم) وأنتج على ضوئه عدة كتب تاريخية تفيض بالمادية البغيضة، وإذا كان (عبد الكريم) مراوغًا مُموهًا فإن (أبا زيد) صادعًا برؤيته التي يأمره بها عقله المتجرد من كل التزام عقدي، واكتشاف أمره جاء عندما تقدم بأكثر من عشرة بحوث وكتابين للترقية إلى درجة أستاذ، وكان من بين الفاحصين الدكتور عبد الصبور شاهين الذي كشف خطأه وجهله وانحرفاته الفكرية التي استدركها عليه (شاهين) تتمثل في قوله: (إن من حقنا أن ننقد القرآن لأنه منذ نزل على الرسول محمد قد انفصلت عنه صفة الألوهية وأصبح بشريًا) ، وبشريته أنه تلبس باللغة العربية وهي منتج بشري تخضع للنقد والتقويم، وان الإسلام هو سر تأخر المسلمين، وان الماركسية هي الإيمان، وان سلمان رشيدي شهيد وان أبا بكر وعمر وعثمان كانوا متآمرين على الحرية، فصنعوا قرآنا خاصا بقريش، وقضوا على تعددية النص، لأنه يتصور أن لكل قبيلة قرآنًا، وهو قد نسب الشافعي إلى القبلية فيما نسب أبا حنيفة إلى الشعوبية نسبة تفكير وعقيدة وفقه، متوهمًا أن منطلقاتهم الفقهية مرتهنة لهذه النزعات العرقية. ومن فحوى كلامه إنكاره لمعطى آيتين محكمتين: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ} (89) سورة النحل، و {مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ} (38) سورة الأنعام، وهو بالتالي إنكار لشمولية الإسلام وعالميته. إذ جاء في كتابه (الإمام الشافعي) إشارة إلى ما قرره الشافعي من أن في القرآن حلولًا لكل المشكلات، إذ وصف هذا القول بالخطورة، حيث حوّل العقل البشري إلى تابع يقتصر دوره على تأويل النص واشتاق الدلالة منه، ولهذا

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت