فهرس الكتاب

الصفحة 24768 من 28557

ـ [ابو معاذ الاثرى] ــــــــ [03 - May-2010, مساء 07:40] ـ

كتبه/ ياسر برهامي

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد،

المعلم الأول: لكل وقت عبودية:

قدر الله -عز وجل- على كل إنسان أن يمر في حياته بأحوال مختلفة وظروف متفاوتة، وحال الإنسان من بدايته إلى نهايته ليس حالًا واحدًا في كل شيء، فهو يبدأ ضعيفًا عاجزًا جاهلًا لا يستطيع أن يبطش بيده ولا أن يمشي برجله ولا أن يتكلم بلسانه، لا يستطيع شيئا إلا البكاء، ثم بعد حين يعرف الابتسام، لا يولد مبتسمًا ولكن يولد باكيًا. وكذلك ينتقل من حال إلى حال ويتعلم بعد جهل ويقدر بعد عجز.

خلقنا الله -سبحانه وتعالى- من ضعف ثم جعل من بعد ضعفٍ قوة، ثم يجعل الله -سبحانه وتعالى- من بعد قوة ضعفًا وشَيْبة -سبحانه وتعالى- يخلق ما يشاء.

وكما قدّر الله ذلك على الأشخاص، قدّره على المجتمعات والدول وطوائف الناس، و قدّره على الدعوات أيضًا، قال الله -عز وجل-: (وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ) (آل عمران:140) ، وقال -عز وجل-: (وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ) (الأنبياء:35) .

هذا الأمر يجب أن نفهمه فهمًا جيدًا حتى نستعمل في كل وقت عبوديته الخاصّة به، وقد أراد -سبحانه وتعالى- بتبديل الأحوال وتغيير الأيّام ومداولتها أن يكون لنا من أنواع العبودية في كل وقت وحين، وهذا بلا شك يحتاج إلى فقه عظيم وفرقان يفرّق به بين الحق والباطل، والسنة والبدعة، بين الهدى والضلال.

إن كثيرًا من الناس قد تختلط عليه الأمور فيقول عن البدعة أنها الاجتهاد في العبادة، وقد يقول عن الضعف أنه حكمة وصبر، وعن التهور أنه شجاعة، وعن الكسل أنه راحة وسكون، وغير ذلك من أشياء كثيرة يسمّيها بغير اسمها إذا لم يكن عنده الفرقان، وإذا لم يكن عنده فهم للوقت الذي هو فيه، وللابتلاء الذي وُضع فيه.

فلا يزال الإنسان في خلل إذا لم يع ويفهم السبب الذي ابتلي به؛ ثم بعد ذلك ينظر في واجب الوقت حتى يستعمل وقته وحياته في أداء هذا الواجب فلا يجعل حياته وأوقاته في غير ما فُرِض عليه.

ومثال ذلك من يظل الساعات الطويلة يحلم ويتمنّى بما يمكن أن يصير إليه بعد حين في أمر ديني أو دنيوي، كالطالب الكسول يظل يتصور نفسه وقد صار من الأوائل ونجح وأصبح من أول المتفوقين وحاز أعلى المناصب ثم تم تعيينه في وظيفة هامة ثم صار قائدًا - ربما للأمة! -، وهو مازال متكاسلًا وقد شغلته هذه الأماني لساعات طويلة عما يجب أن يفعله، فالنفس محببة إليها الأماني وكثيرًا ما تنشغل بها،

ومثله كثيرٌ من الدعاة أو ممن ينتسبون إلى الدعوة؛ ويعملون في صفوفها يحلمون بأوقات النصر والتمكين وأنهم قد فتحوا البلاد وقلوب العباد وأن الناس قد دخلوا في دين الله أفواجًا مع أن كثيرًا منهم لم يحَصِّل الأسباب التي بها يصل المسلمون إلى ذلك، و يظل يحلم ويتمنى وربما أدى ذلك إلى أن يُضيِّع واجب الوقت الذي هو فيه.

وهذا سبب مشهور ومشاهد في كثير من الأحوال أدى بكثير من الدعوات إلى أن تبتعد عن طريقها ولا تصل إلى غايتها، لأنها تستعمل في وقتٍ ما واجبَ وقتٍ آخر، وهي تعجز عنه، وبالتالي يتحول الواجب إلى مجرد أمنية أو خيال، وأحيانًا يصطدم الإنسان بالواقع فلا يجد إلا الأرض الصخرية التي لا يزال واقفًا عليها دون أن يرتفع شيء من البناء، فيصاب بالإحباط واليأس والحزن والعجز وربما جرح هذا الصخر رأسه وهو يحاول كسره بها دون أدوات، وهذا أمر خطير للغاية ويفتح بابًا عظيمًا للشيطان.

فلابد أن نعرف واجب الوقت الذي نحن فيه، وأن نعلم أن الابتلاء أنواع وأحوال مختلفة؛ فهناك ابتلاء بالشر وابتلاء بالخير (وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ) (الأنبياء:35) ، وهناك ابتلاء بالسراء وابتلاء بالضراء، وهناك ابتلاء بالاستضعاف وابتلاء بالتمكين.

فلابد أن نعلم في أي وقت نحن؟ وفي أي مرحلة؟ وما المطلوب منا في هذه المرحلة؟

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت