فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
ولا شك أن الناظر في أحوال المسلمين في العالم كله يتأكد له أن المسلمين في أزمة، ولا أقول أن الإسلام في أزمة فإن الله -عز وجل- ناصر دينه بنا أو بغيرنا، الله -عز وجل- هو الذي وعد بظهور الإسلام: (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ) (التوبة:33) .
ولكن أحوال المسلمين في العالم كله، في أزمة، والعدو قد أحاط -فيما يبدو- بهم من كل الجوانب إلا من فوقهم؛ فإن رحمة الله -عز وجل- تنزل عليهم من فوقهم، ورغم التفاوت الهائل في موازين القوة المادية بين العدو وبين المسلمين، ورغم اختلاف المسلمين وتفرقهم، فإن الأعداء يعتبرون الإسلام هو العدو الإستراتيجي الأول لكل الطوائف والملل في كل مكان تقربيًا وخصوصًا في منطقة نشأة الإسلام بما يسمونه الشرق الأوسط -وهو مركز المسلمين- في العالم، برغم أن الإسلام هو أعظم ناصح للبشرية كلها.
وأنواع المكر والخطط لا تخفى اليوم بعد أن كانت تخفى في الزمن الماضي؛ فبعد أن كانت أسرارًا تُعقد في مؤتمرات سرية أصبحت تُعلن على صفحات الجرائد.
وعلى رأس هؤلاء الماكرين جميعًا والمحرك الحقيقي لهم اليهود، أشد الناس عداوة للمسلمين كما وصفهم الله -عز وجل-: (لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا) (المائدة:82) ، وقد دخل في الذين أشركوا الذين قالوا: إن الله ثالث ثلاثة، وقالوا إن الله هو المسيح ابن مريم، والذين كذبوا الرسول -صلى الله عليه وسلم- والقرآن.
فلابد أن نتوقع مزيدًا من الأزمات والضغوط، ومزيدًا من ضيق الطريق وظلمته، - يضيق فيما يبدو للناس من صنع الأعداء-، والدنيا تظلم - فيما يبدو للناس- من مكرهم، ولكن الحقيقة أن الله -عز وجل- هو الذي آتاهم أموالًا وزينة في الحياة الدنيا لُيضلوا عن سبيله، لتظلم الدنيا مدة ثم يرى الناس بعد ذلك النور، ولكي لا يمر من الطريق إلا من يصلح، إلا من يتحمل الضيق وقت المحنة، وسوف يتسع الطريق، وسوف تستنير الدنيا قطعًا بإذن الله -تبارك وتعالى-.
إذا كان الأمر كذلك، وكانت هناك شدة ومحنة، وإذا كان هناك أعداء في كل مكان في العالم لكل مظهر وجوهر إسلامي؛، فإن محاولة أعداء الإسلام نشر الفساد في العقول والقلوب، ونشر الشهوات والشبهات، ونشر الأكاذيب والأباطيل، في تشويه صورة الإسلام والمسلمين، بأنواع من الافتراءات والضلالات التي ينشرونها؛ فإن كل ذلك إنما يصب في مصلحة المسلمين إذا أدوا واجبهم.
لكن ما هو واجب الوقت الذي نحن فيه؟
أولًا: لا شك أن استشعار الإنسان بأن المسلمين في أزمة وأنهم في شدة وضيق يجعله يستنفر الطاقات الموجودة في نفسه، وذلك أن تصرف الإنسان الذي يشعر أنه على سريره مستريح، ليس كتصرف الذي يشعر أن السفينة توشك أن تغرق وأن هناك خطر جاثم وأن بين الغرق والنجاة لحظات معدودة فإذا استطعت أن تدرك قارب النجاة وإلا أدركك الغرق.
الخطر كبير وجاثم على النفوس، والفرق بين النجاة وبين الهلاك لحظات، تبذل فيها كل طاقتك وجهدك وإلا جاءتك الأمواج العاتية، أمواج الفتن والضلالات، أمواج الحصار التي تحاصر المسلمين من كل جانب.
لذلك أقول أن المهمة الأولى أن نشعر أننا فعلًا في أزمة، وأن هذه الأزمة تقتضي منا بذل غاية الجهد، ليس بعضه، بل لابد أن نبذل كل ما عندنا بالكامل.
فالأمر خطير جد خطير.
ثانيًا: نحتاج إلى اتصال بالله -عز وجل- ولجوء إليه بأنواع العبادات من صلاة وقيام وصيام ونفقة وصدقة وحج وعمرة.
والشعور أننا في أزمة هو الذي يجعلنا ندعوا دعاء المضطر: (أَمْ مَنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأَرْضِ) (النمل:62) ، فتأمل هذا الترتيب العجيب: الاستخلاف في الأرض آخر الأمر، وبدايته الاضطرار (أَمْ مَنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ) ،فالمرحلة الأولى الابتلاء، والمرحلة الثانية كشف السوء، والمرحلة الثالثة أن يجعل الله المسلمين خلفاء الأرض.
(يُتْبَعُ)