ـ [نبيل عليش الجزائري] ــــــــ [23 - Aug-2008, مساء 11:50] ـ
شبهات الغلاة في التكفير (الحلقة الأولى)
بقلم: محمد حاج عيسى الجزائري
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، أما بعد: فإن ظاهرة الغلو في التكفير من الظواهر الخطيرة التي ينبغي الاهتمام بعلاجها
وربما كانت أولى بالعناية من كثير من مظاهر الفساد الأخرى لما لها من آثار سيئة على المجتمع الإسلامي ومسيرة الدعوة إلى الله، لذلك رأيت أن أكتب مقالات موجزة أرد فيها بعض شبه الغلاة المضللة وأفكارهم الخاطئة وآراءهم الباطلة التي لا تزال تروج في العالم، وتستغل لإضلال الشباب وحمله على تكفير المسلمين واستباحة دمائهم وأموالهم وأعراضهم، وقد سميت هذه المقالات بشبهات الغلاة في التكفير ليعلم أننا لسنا ننكر التكفير الذي هو حكم الشرعي خاضع للنصوص الشرعية والضوابط الفقهية، لأن تكفير من كفره الله ورسوله واجب كل موحد يبرأ من الشرك ومظاهره، ولكننا ننكر الغلو فيه بحيث يحكم على المسلمين بالكفر والردة ظلما وعدوانا، وهذا الغلو والتجاوز للحدود الشرعية له مظاهر في الواقع خلاصتها:
-التكفير بما ليس مكفر من المعاصي وكبائر الذنوب.
-تكفير من لم يتحقق تلبسه بأسباب الكفر التي دلت النصوص على أنها كفر.
-عدم مراعاة شروط إيقاع حكم الكفر على الأعيان وموانعه.
وسأقتصر في هذه المقالات على مناقشة جزئية مندرجة في الحالة الثالثة، وهي زعمهم أنه لا يشترط إقامة الحجة على المعين لتكفيره، وأنه لا أثر لعارض الجهل في ذلك، وذلك بدحض شبهات المخالفين التي كثر المرددون لها، وقد كتب كثير من أهل الإنصاف والاعتدال في هذه المسألة وحققوا الحق فيها من خلال النصوص الشرعية وبيان مواقف الأئمة الأعلام منها، ولا شك أن الجواب عن الشبهات مما يكمل المقصود ويزيد الحق جلاء ويحمي من عرضت له من الإذعان لها.
ومما لابد من التنبيه عليه هنا أن بعض المتحمسين للرد على الغلاة قد أخطأوا الوجهة في النصيحة للأمة في هذه القضية الخطيرة، وجعلوا كل همهم من التحذير من بعض الأفراد المخالفين ممن تبنى فكر الغلاة في التكفير، وليس ذلك مما ينصر الحق ويحفظ شباب الأمة من الوقوع في هذا المحذور، لأن الناصح لا يمكنه أن يحصي أسماء المخالفين أجمعين، لأجل لم أحرص على تسمية المخالفين إلا حيث رأيت المصلحة في ذلك، والناس إذا عرفوا الحق تمسكوا به وعظموا أهله وإذا عرفوا الباطل اجتنبوه وأهله، وكم رأينا من الشباب الملتزم بمنهج السلف إجمالا قد غرته شبهات المخالفين وجرته إلى الغلو في التكفير لعدم الحصانة العلمية التي تقيه من مهاوي الانحراف، وأكثر هؤلاء المتحمسين المشار إليهم قد أهملوا الجانب العلمي التأصيلي فتراهم يناقشون الكتابات الأدبية المستندة إلى العاطفة الدينية التي لا تؤثر غالبا إلا في العوام وأشباه العوام، ويتركون نقد كتب التنظير العقدي لهذا الفكر التي تصطبغ بالصبغة العلمية، ويستند أصحابها إلى الأدلة الشرعية!! وأقوال علماء السلف والخلف!! وما أكثر هذه الكتب وما أكثر القائلين بما فيها، فهذه المقالات إسهام بحسب الطاقة في بيان الحق وتكميل لجهود غيرنا من الناصحين لله ولدينه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم، نسأل الله تعالى أن ينفع بها وأن يجعل هذا العمل خالصا لوجهه الكريم وهو حسبي ونعم الوكيل.
الشبهة الأولى: تحكيم العقل
من شبهات من يجنح إلى تكفير المسلمين الواقعين في الشرك من غير اشتراط إقامة الحجة وإزالة عارض الجهل والشبهة عنهم، أن حقيقة التوحيد مدركة بالعقل متوصل إليها بالنظر غير متوقفة على إرسال الرسول، وهذا مذهب المعتزلة والماتريدية، قال أبو منصور الماتريدي في تفسيره لقوله تعالى: (لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ) (النساء:165) : «نفيه الحجة إنما هي في العبادات والشرائع التي سبل معرفتها الرسل أما معرفة الله فإن سبيل لزومها العقل فلا يكون لهم ذلك على الله حجة» (انظر الماتريدية دراسة وتقويما(147 ) ) . وقد اعتمد هذا الرأي كثير من الغلاة مع زعمهم الانتساب إلى السنة، ولما قال ابن تيمية في الدرء (8/ 492) : «وهذا مذهب المعتزلة ومن وافقهم من
(يُتْبَعُ)