ـ [نَفَسٌ يتردد] ــــــــ [16 - Dec-2010, مساء 11:34] ـ
بقلم / الشيخ مختار الطيباوي
الحمد لله وحده، و الصلاة و السلام على من لا نبيّ بعده، وبعد ....
احتار كثير من العقلاء في أحوال أهل السنة المعاصرين، كيف وصل بهم الحال إلى التفرق و التشتت و التناحر، الذي بلغ درجة تدخل الشك في النفوس، فقد فاقوا الطوائف المخالفة تفرقا و تناحرا.
وليس هذا من خصائص، ولا من مميزات أهل السنة عبر العصور، بل قد انحط بعضهم حتى لم يبق فيه من السنة إلا الاسم بلا معنى، فلا هو من الدعاة إلى التوحيد و إقامة الدين، ولم يشارك بأي مجهود في ذلك.
ولا هو من المدافعين عن التوحيد، ولا هو من الدعاة إلى الله بالوعظ و الإرشاد، ولا هو ترك الدعاة إلى الله يعملون لله.
بل إننا عندما نتفحص منهج هؤلاء نجده منهجا قد جمع شواذا من الكلمات، وهفوات علمية، وفلتات لسانية، يزعم أنها منهج أهل السنة و الجماعة!
وقد لا يشعر المتسببون في هذه الحالة المزرية بهذا الأمر لأنهم يعتقدون اعتقادا جازما أنهم على الحق فيما يفعلون، وغيرهم هو الضال المنحرف!
لكن كيف يكونون على الحق و غيرهم على ضلال، وهو يشاركهم في المصادر و المرجعيات و الأصول و القواعد و العلماء، ولم يقدروا على أن يقيموا عليه حجة صحيحة،فلزم أن جزمهم باعتقادهم جزم هوى و ليس جزم علم؟!
وحتى نفهم هذه الحالة بصورة علمية تأصيلية مستمدة من الكتاب و السنة نفهم بها سبب هذا الذي يحدث،و ما هو علاجه أقول:
ينشأ الاختلاف بين العلماء لأسباب كثيرة، لعل من أهمها أن مسائل الدين منها الجليّ الذي يجب اتباعه، و منها الخفي الذي يجوز الاجتهاد فيه، وعندما يقع الخلاف فيه فلا يعتبره أهل العلم المعتبرين تفرقا، بله أن يعتبروه بدعا و ضلالات.
وهنا يقع إشكالان بالنسبة لبعض الناس:
الإشكال الأول:
عدم تمييز واضح لمسائل الاتفاق عن مسائل الاختلاف،فيجعلون موارد الاجتهاد من قسم المتفق عليه أو مما يجب التسليم لهم فيها، فتراهم يدخلون مسائل من مصطلح الحديث كـ:"تعارض الجرح و التعديل"، و"الجرح المفسر مع الجرح المجمل"، ومسائل من أصول الفقه كـ:"حمل المجمل على المفصل"ـ وهي لا تختلف عن مسألة حمل المطلق على المقيد أو تقييد العموم بالخصوص ـ في قسم المتفق عليه، ثم يرجحون فيها رأيا هو في غالب الأحيان رأي شاذ أو ضعيف ليس له من المرجحات العلمية إلا أنه يوافق نفوسهم ومنهجهم، ثم يبدعون و يضللون من يخالفه، وهذه بدعة ضخمة.
ومن أمثلة اختلاط المسائل عليهم وعدم تمييزهم بينها: خلطهم الفاحش بين رد خبر الثقة ورد رأي الثقة ـ إذا سلمنا أنه ثقة يستجمع صفة العدالة و الضبط ـ فجعلوا رد رأي الثقة ـ المختلف فيه ـ في الجرح و التعديل من رد خبر الثقة!
و معلوم أن المقصود من خبر الثقة: الحديث النبوي لا رأي تقديري لعالم من العلماء، لأن جميع آراء العلماء العدول في جميع فنون العلم هي رأي ثقة، الإشكال هنا ليس في ثقتهم ولكن في الصواب و الخطأ لأنها آراء و اجتهادات وترجيحات، و ليست أخبارا مسندة استجمعت شروط التحمل و الأداء.
فمن يخلط هذا الخلط يجعل الكلام على الكفار كالكلام على المبتدعين، و يجعل البدع الغليظة كالبدع الخفيفة، وهذا منهج الخوارج لا منهج أهل السنة و الجماعة.
الإشكال الثاني:
أن كثيرا منهم ليسوا أهلا للخوض في هذه المسائل، فإذا نص بعض العلماء أن الأصوليين ليسوا من أهل الإجماع فكيف يؤخذ برأي من يجهل أصول الفقه في أصول الفقه؟!
فهل يسمح لهم مجرد النقل عن العلماء الخوض في هذه المسائل، و تحرير النزاع فيها، ثم ترجيح الرأي الأقوى؟!
هذا يشبه ترجيح قول الأخباري ـ في معاني النصوص ـ على قول الفقهاء.
إن الاجتهاد في هذا القسم الثاني لا يكون إلا من العلماء العدول، أي من جمع صفة العلم و العدالة، فلا يصح اجتهاد إلا بعلم وقصد حسن، و لما اجتهد في الدين من لم يكمل عدة العلم،أو فاته منه ما يحتاجه للإحاطة بمقاصد الشريعة.
وكذلك اجتهد فيه من لم يملك قصدا حسنا، بل كان قصده تقرير موروث ضعيف أو مذهب مرجوح، أو تأصيل باطل لنفسه أو لجهة من الجهات، اشتد تفرق الأمة حتى تفرق من ينتسبون للسنة، وظهر بينهم ما كان في غيرهم.
(يُتْبَعُ)