فهرس الكتاب

الصفحة 28314 من 28557

أيضا فقد حافظ على ألفاظ معتدلة مع الاتجاه الإسلامي وبخاصة السلفي الذي عاداه أغلب مفكري العلمنة، بل تجرأ بأقوال لم يقلها غيره، ويعدها المتطرفون في العلمنة من زلات الجابري، فلم ينتقد بصراحة ابن تيمية وتجاوز الحديث عنه معتذرا بأعذار مختلفة، ورأى في دعوة الإمام محمد بن عبدالوهاب انعطافا تصحيحيا مهما للعالم العربي، ومثل انتشار السلفية في المغرب منافسا قويا للصوفية ومنهجها اللاعقلاني، ومن حسناتها أنها أخذت بيده نحو العقلانية، ولا يعني أنه يقبل بها، أو أنه لم يتعرض لها بصور غير صريحة، ولكن مع أنه يمكنه القول فيها بأشياء سيئة دون أن يلام، بل وقع عليه اللوم من عكس ذلك.

لا شك أن تماسكه الأخلاقي هذا مع خصمه الأساسي هو مما يحسب له، وياليت أتباع الجابري المشهورين في كتابات الرأي والمنتديات والمدونات وأمثالها، يستفيدون من هذا الخلق حقا إن كانوا من أهل الفكر والثقافة.

3 -رحم الله امرأ عرف قدر نفسه:

رحل الجابري بعد نشاط ضخم، وكان له ما له وعليه ما عليه، قدم جوانب فكرية سيئة، ولكنها من وجهة نظري أخف ما نجده في الفكر المتغرب، ولا تمثل خطرا حقيقيا، وبخاصة بعد ظهور مشاريع نقدية حول كتاباته كشفت أخطائها الشرعية ومشكلاتها الفكرية، وقدم جوانب فكرية جيدة، وهي متنوعة، ويمكن الاستفادة منها، وذلك بعد تعديلات مهمة لها، وبخاصة في المجال الفكري المحض، فمن المهم الاعتدال في الأحكام، فالمسلم يشعر بخطورة القول، فلا يمدح ضالا أو ضلالة يؤاخذه الله عليها، ولا يتجرأ بقول دون علم، وقد وجدت في الساحة الثقافية أقوالا مرسلة تعود مشكلتها إلى عدم التفريق بين حيز العلم وحيز الفكر، وإلى عدم التفريق بين المفكرين والتيارات الفكرية، وإلى عدم التفريق بين القناعات والمقترحات، وإلى عدم التفريق بين المفكر والمستفيدون من فكره.

ومشاريع المفكرين المعاصرين المشهورة تحتاج لدراسات نقدية مع إبراز المواقف العلمية المحققة، وليست المسألة خوفا منهم ومن مشاريعهم، بل خوفا عليهم، فالميت من المسلمين قد يفرح -بعد موته- بمن ينقد أفكاره الباطلة أو الخاطئة ويبين خطرها وخطأها؛ حتى لا يضلّ بها أحد، فإنه كما أن من الصدقة الجارية العلم المنتفع به، فإنه في المقابل هناك أفكار ذات أوزار، نسأل الله السلامة منها، ولا يخرج عن ذلك طائفة من المفكرين زلّت أقلامهم في أبواب دينية عظيمة.

وأسوأ ما نجده اليوم هم أولئك الذين يتطاولون على العقل الإسلامي أو الديني أو العربي كما يقولون، أو على علوم الأمة، أو على علماء الإسلام، كل ذلك: بحجة النقد، وحرية الفكر، وأهمية الرأي، وحاجة الأمة للتجديد والاجتهاد والإصلاح والنهضة. فهذا التطاول يختلف عن النقد المفيد، فالتطاول يكون من أصحاب الأهواء الذين لا يُعرَفون بعلم أو فكر، وإنما يتناقلون أفكارا مكررة يمكنك من خلال البحث في الشبكة بنص أو بمقطع أن تكتشف كم يتكرر ذاك النص أو المقطع بأسماء مختلفة.

قد ينقد"الجابري"العقل العربي، و"أركون"العقل الإسلامي، ويسعى"حنفي"لإعادة تركيب الإسلام ليتوافق مع الحداثة، وهم وإن فعلوا ذلك فعندهم عدّة فكرية وإن أساؤا استخدامها، وميدان نشاطهم -وهو التراث الإسلامي- لم يتعرفوا عليه إلا بعد ذهاب الحيوية في طلب المعرفة، فهيهات هيهات أن ينجحوا في مشاريعهم وهم مفلسون من استيعاب حقيقي للتراث، ولكن ما القول في الذين لا يملكون علما شرعيا ولا عدة فكرية إلا أن نقول: رحم الله امرأ عرف قدر نفسه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت