فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
هذه أوهام فكرية حصلت مع مجموعة امتلكت أدوات فكرية كبيرة، فظنت أنها امتلكت زمام التحكم بكل المعرفة، ويذكر بعض العوام قصة طريفة لرجل كان يملك ثورين قويين يقدمان له خدمات عظيمة، ومرّ به شخص معه كبريت، يقدح به فتشتعل النار في طرفه، فانبهر صاحب الثورين بهذا الكبريت، وعرض عليه أن يشتريه بالثورين، ففرح حامل الكبريت وأخذ الثورين، وعاد الرجل حامل الكبريت يتوعد قريته أن يحرق كل جبالها.
ثانيا، أما القسم الأخير من مشروعاته، العصراني، فقد اشتهر الجابري ومن سار مساره بالتركيز على ترتيب السور وأسباب النزول وتاريخه والناسخ والمنسوخ، وذلك أنها مسألة سهلة مقارنة مثلا بمباحث دراسة الأسانيد ومعرفة العلل، أو فقه الأدلة وتفسيرها وبخاصة في صورة متكاملة يستوعب من خلالها المفسر كل النصوص، فيعرف علاقة الآية بغيرها من الآيات، حتى وإن اختلفت أوقات نزولها، وعلاقتها بالأحاديث، وعلاقتها بفقه اللغة، وليس لغة النحاة فقط وإنما لغة العلم أيضا، وغيرها من المنهجيات المعروفة.
وقد يكون سبب التركيز على هذه الأبواب هو توافقها مع المنهجية التاريخية التي برعوا فيها بسبب طول الاتصال بها، فأمكنهم توظيفها في دراسة نصوص الوحي من هذا الوجه.
وهذا الفقر المنهجي يوصل لنتائج خطيرة، وإن كانت سلاسة أسلوب الكاتب توهم بعض المتلقين بقوتها، أخطرها: النتائج الجزئية التي لا تتفق مع الوضع الكلي للتراث والعقل والعربي.
الجابريون وعبء التلمذة:
من المؤكد أن مفكرا مشهورا سيكون له جمهور من القراء والمتابعين، وقد يكون له في فترة زمنية فئة من المعجبين وربما المنبهرين، وبخاصة مع مفكر حظيت كتبه برعاية كبيرة من قبل دار نشر مشهورة.
أكتفي بالحديث عن فئة لم تحسن التعامل مع هذا المفكر، وبالأصح استغلت شهرته في طرح أفكارها إن لم تكن أهوائها.
1 -أوهام النشاط النقدي:
أحد المفاهيم التي طاروا بها مفهوم"النقد"، وهو أداة خطيرة عندما تكون في يد الجاهل بها، وتكون أخطر عندما تكون مع صاحب هوى.
فما بالك إذا كان صاحب مشروع النقد ذاته يعيش وهما كبيرا، فمن ذاك الذي يمكنه في زمننا هذا القيام بنقد كل العقل العربي!!! فحتى المشاريع النقدية الغربية تكون في موضوعات محددة أو قريبة من المفكر، دون أن نجد الزعم بنقد عقل ضخم، مثل العقل اليوناني والروماني، مع أنه عقل من تكوين بشري ولا يعتمد على نص مقدس.
بل قد وجد من بعضهم من ينتقد عالما كبيرا كابن تيمية مقدما عليه الجابري ومستفيدا منه كما يقول، مع أن مقارنة بسيطة بين ما يملكه ابن تيمية عن التراث وبين ما يملكه الجابري تكشف ضحالة ما عند كل المفكرين المعاصرين حول التراث مقارنة بما عند ابن تيمية، فضلا عما عند هذا الإمام من منهجية اعترف بها خصومه قبل أصحابه. وبحق فإن النقد الضخم والحقيقي الذي توجه للتراث هو النقد الذي على شاكلة ما قام به ابن تيمية وعنده مث ما عند ذاك الإمام أو قريبا منه، وهو الذي يجب الاستفادة منه، ولا يمنع هذا من أن نستفيد من المناهج الحديثة، وإضافة ما يناسب منها لمناهجنا.
لا شك أن المنصف يعرف أن أي مقارنة تهدف لانتقاص ابن تيمية مقارنة بهؤلاء المفكرين هي من السخافات الفكرية، ولا أظن الجابري في داخله أثناء حياته يصدق بها.
لقد استهلك هؤلاء كلمة النقد حتى أصبحت سمجة، نقدوا التراث، ونقدوا العلماء، ونقدوا الدعاة، ونقدوا الفقه الذي لا يعجبهم، والعقائد التي لا يحبونها، وتفسيرات النصوص التي لا تروق لهم، ومظاهر التدين في المجتمع، حملة واسعة من النقد، ولم يسلم منهم ألا المؤسس لهذا النقد، وذواتهم.
قد يقال بالفرق الكبير بين النقد الجابري القائم على أدوات فكرية معتبرة وبين هؤلاء المخاصمين لتراثهم وتدين المجتمع، وهذا صحيح، ولكن المقصود بيان الاستثمار الأيدلوجي للمفاهيم حتى وإن وضعت في غير موضعها أو طبقت بطرق فوضوية.
2 -التقية الفكرية والتبجح الفكري:
بالرغم من مشاركة الجابري في قسم فكري يساري (اشتراكي) ، ومعروف أن هذا الاتجاه بالجملة يعد برزخا لإخراج الوقاحة الفكرية تجاه الدين، وأغلب من مرّو بذاك البرزخ خرجوا بأوسخ الألفاظ وأشد الصراخ في نقد الدين.
ولكن الجابري لم يقع في ذلك، بل كان محافظا على الألفاظ المعتدلة مقارنة بغيره، وموازنة مع البيئة التي كان فيها ....
(يُتْبَعُ)