فهرس الكتاب

الصفحة 11635 من 28557

الألم يعتصرُ قلبَ الشاب حسن! ..

ـ [فهد محمد النميري] ــــــــ [13 - Oct-2008, صباحًا 02:20] ـ

الحمد لله الذي أكرمنا بالإسلام وجعلنا من أمة سيد الأنام عليه الصلاة والسلام , وبعد:

فاعلم أن ما ستقرؤه في السطور التالية هو فصلٌ من قصةٍ نسجها الواقع لا الخيال , والذي استوقفني وجعلني أردد النظر مرةً بعد مرة متأملًا هذا الفصل المفعم بالغيرة المتأججة على الإسلام أن ذاك الواقع يشبه واقعنا اليوم شبه الماء بالماء؛ إنه فصلٌ من قصة طموح شابٍ حدث السن هالَه ما رأى من تكالب الأعداء على الإسلام مدججين بآلة إعلامية جبّارة ترومُ صياغة شعبٍ مسلم وفق منظومة فكرية غربية؛ لقد فُجعَ هذا الشاب الغض بحملات التمرد التغريبية وهي تدك الحصون الاجتماعية وتخترق أسوار القيم ويتساقط قتلاها ويكثر أسراها الذين لا يلبثون حتى يكونوا من جنودها ينشطون في التبشير بتعاليمها في قصور الأمراء والكبراء والوزراء فتتحول الرؤى إلى سياسيات تتبناها السلطة ويحميها النظام؛ وتسيل جموعهم المفتونة في دور العلم ومراكز الثقافة تخلبُ الألباب وتفتن العقول وغالبُ صيدها -ويا للأسف- هم الصفوة المتعلمة من أبناء المسلمين ... ؛

بدا لهذا الشاب المفجوع أن سدود المناعة الثقافية الإسلامية تتهاوى أمام سيل التغريب الهادر؛ وأن الباطل يعلو صوته وترسخ قدمه ويكثر جمعه يومًا بعد يوم وأن الحق في أفولٍ يخفتُ صوته ويقل أهله وينحسر أثره يومًا بعد يوم ...

لقد وقف هذا الغلامُ مشدوهًا قد أكل القلقُ جوفه وأرّقته الحسرة فبقي أيامًا طوالًا لا يذوق النوم إلا غفوات يسيرة وربما طاردته فيها كوابيسُ مزعجه مرعبة عن اصطلام الإسلام وتلاشيه لا قدّر الله ... فمن يطيق أن ينظر إلى الدين هو يذوي أمام ناظريه ...

والآن سأترك الكلمةَ لهذا الشاب الذي لم يتجاوز (الثانية والعشرين) من العمر كي يحدثنا عن قصته ولننصت إليه باهتمام فإن فيما سنسمع عبرةً وأي عبرة ...

يقول الشاب حسن -وهو يصف موجةَ الإلحاد والإباحية في مصر- (المعذرة: نسيتُ أن أقول لكم أن هذا الشاب مصري ولكني -أدبًا معه- سأنتظره حتى ينهي حديثَه في هذا المقطع اليسير من قصة كفاحه ثم أعرفكم به بعد ذلك) يقول:

وعقب الحرب الماضية"1914 - 1918" (يقصد الحرب العالمية الأولى) وفي هذه الفترة التي قضيتُها بالقاهرة اشتد تيار التحلل في النفوس وفي الآراء والأفكار باسم التحرر العقلي , ثم في المسالك والأخلاق والأعمال باسم التحرر الشخصي؛ فكانت موجةَ إلحادٍ وإباحية قوية جارفة طاغية لا يثبتُ أمامها شيءٌ؛ تساعد عليه الحوادث والظروف.

لقد قامت تركيا بانقلابها الكمالي وأعلن مصطفى كامل باشا إلغاء الخلافة وفصلَ الدولة عن الدين في أمةٍ كانت إلى بضع سنين في عرف الدنيا جميعًا (لعله يقصد: كلها) مقر أمير المؤمنين , واندفعت الحكومة التركية في هذا السبيل في كل مظاهر الحياة.

ولقد تحولت الجامعة المصرية من معهد أهلي إلى جامعة حكومية تديرها الدولة وتضم عددًا من الكليات النظامية , وكان البحث الجامعي والحياة الجامعية حينذاك في رؤوس الكثيرين صورةً غربية مضمونها: أن الجامعة لن تكون جامعةً علمانية إلا إذا ثارت على الدين وحاربت التقاليد الاجتماعية المستمدة منه واندفعت وراء التفكير المادي المنقول عن الغرب بحذافيره و, عُرف أساتذتها وطلاّبها بالتحلل والانطلاق من كل القيود.

لقد وُضعت نواة"الحزب الديمقراطي"الذي مات قبلَ أن يولد ولم يكن له منهاج (أي هدف) إلا أن يدعو إلى الحرية والديمقراطية بهذا المعنى المعروف حينذاك: معنى التحلل والانطلاق.

وأُنشئ في شارع المناخ (لعله اسم لأحد شوارع القاهرة) ما يُسمى بالمجمع الفكري , وتشرف عليه هيئة من"التيوصوفيين"وتلقى فيه محاضرات تهاجم الأديان القديمة وتبشر بوحيٍ جديد وكان خطباؤه خليطًا من المسلمين والنصارى واليهود وكلهم يتناول هذه الفكرة الجديدة من وجهات النظر المختلفة.

وظهرت كتب وجرائد ومجلات كل ما فيها ينصح (لعلها: ينضح) بهذا التفكير الذي لا هدف له إلا إضعاف أثر أي دين , أو القضاء عليه في نفوس الشعب لينعم بالحرية الحقيقة فكريًا وعلميًا في زعم هؤلاء الكتّاب والمؤلفين.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت