ـ [ابن هشام الدمشقي] ــــــــ [26 - Sep-2009, مساء 12:21] ـ
الذب عن شيخ الإسلام الحافظ أبو عمر ابن عبد البر القرطبي رحمه الله (368 - 463هـ)
قال الحافظ الذهبي: (ابن عبد البر الإمام العلامة، حافظ المغرب، شيخ الإسلام أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر بن عاصم النمري الأندلسي القرطبي المالكي صاحب التصانيف الفائقة) ( [1] ) .
هذا أقل ما يقال عن هذا العالم الجليل، فهو حافظ المغرب والأندلس في زمانه شيخ الإسلام صاحب التصانيف الفائقة، وقد مدحه كثير من العلماء وأثنوا عليه، وقد عدَّ الإمام ابن حزم مصنفاته من فضائل الأندلس حيث قال:
(ومنها كتاب"التمهيد"لصاحبنا أبي عمر يوسف بن عبد البر، وهو الآن بعد في الحياة لم يبلغ سن الشيخوخة، وهو كتاب لا أعلم في الكلام على فقه الحديث مثله أصلًا فكيف أحسن منه، ومنها كتاب"الاستذكار"وهو اختصار التمهيد المذكور، ولصاحبنا أبي عمر بن عبد البر المذكور كتبٌ لا مثيل لها: منها كتابه المسمى بالكافي في الفقه على مذهب مالك وأصحابه خمسة عشر كتابًا اقتصر فيه على ما بالمفتي الحاجة إليه وبوبه وقربه فصار مغنيًا عن التصنيفات الطوال في معناه، ومنها كتابه في الصحابة ليس لأحد من المتقدمين مثله على كثرة ما صنفوا في ذلك، ومنها كتاب"الاكتفاء في قراءة نافع وأبي عمرو ابن العلاء، والحجة لكل واحد منهما"، ومنها كتاب"بهجة المجالس وأنس المجالس، مما يجري في المذاكرات من غرر الأبيات ونوادر الحكايات"، ومنها كتاب"جامع بيان العلم وفضله، وما ينبغي في روايته") ( [2] ) .
ومع علو صيت كتابي التمهيد والاستذكار وعلو شانهما، إلا أنه لم تصلنا ولا نسخة مكتملة واحدة من هذين الكتابين بسبب النكبات المتتالية على أهل الإسلام.
فإن قلت: فكيف يحصل ما حصل لمثل هذا الكتاب؟
أقول بحول الله تعالى: لقد حصل ما هو أشنع لكتاب أجل من هذا، وهو تفسير الإمام بقي بن مخلد ومسنده وهما أعظم تأليف في الإسلام.
قال الإمام ابن حزم في معرض ذكره فضائل الأندلس: (كتاب أبي عبد الرحمن بقي بن مخلد فهو الكتاب الذي أقطع قطعًا لا أستثني فيه أنه لم يؤلف في الإسلام تفسير مثله، ولا تفسير محمد بن جرير الطبري ولا غيره. ومنها في الحديث مصنفه الكبير الذي رتبه على أسماء الصحابة رضي الله تعالى عنهم، فروى فيه عن ألف وثلاثمائة صاحب ونيف، ثم رتب حديث كل صاحب على أسماء الفقه وأبواب الأحكام، فهو مصنف ومسند، وما أعلم هذه الرتبة لأحد قبله، مع ثقته وضبطه وإتقانه واحتفاله في الحديث وجودة شيوخه، فإنه روى عن مائتي رجل وأربعة وثمانين رجلًا ليس فيهم عشرة ضعفاء، وسائرهم أعلام مشاهير. ومنها مصنفه في فضل الصحابة والتابعين ومن دونهم الذي أربى فيه على مصنف أبي بكر ابن أبي شيبة ومصنف عبد الرزاق بن همام ومصنف سعيد بن منصور وغيرها وانتظم علمًا عظيمًا لم يقع في شيء من هذه، فصارت تآليف هذا الإمام العلي قواعد للإسلام، لا نظير لها، وكان متخيرًا لا يقلد أحدًا، وكان ذا خاصة من أحمد بن حنبل رضي الله تعالى عنه) ( [3] ) .
وهذين الكتابين بل وكل كتب شيخ الإسلام بقي بن مخلد يعدان الآن من الكتب الضائعة المفقودة. فلا عجب إذا ما حصل لكتاب التمهيد والاستذكار للإمام ابن عبد البر القرطبي. ولقد كنا ذكرنا ضمن مقدمات هذا الجزء نبذة يسيرة من النكبات التي توالت على كتب علماء الإسلام. فكانت مكتبة واحدة تحتوي على 1200 نسخة من تاريخ الإمام الطبري وحده، والآن لا توجد ولا مكتبة واحدة في العالم تحتوي على نسخة كاملة من كتاب التمهيد والاستذكار بل وتفسير الإمام بقي ومسنده في حكم الضائع، فلله الأمر من قبل ومن بعد.
لِمِثْلِ هَذَا يَذُوبُ القَلْبُ مِنْ كَمَدٍ إِنْ كَانَ فِي القَلْبِ إِسْلاَمٌ وَإِيمَانُ
فلما كان الأمر كذلك سهل على أعداء الدين دسّ ما يريدونه في مصنف هو في حكم النادر، بل لا عجب لو استحدثوا نسخة جديدة يدسون فيها سمومهم ومن ثم يزفونها إلى الحمقى من جهلة الناس تحت بشرى أنهم وجدوا مخطوطة جديدة لكتاب ندرت نسخه.
(يُتْبَعُ)