ـ [الإمام الدهلوي] ــــــــ [04 - Oct-2007, مساء 03:04] ـ
بسم الله الرحمن الرحيم
وبه نستعين
الحمد لله الذي فرض على عباده الولاء والبراء، وجعل ذلك من لوازم التوحيد، والصلاة والسلام على القائل: أنا بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين.
وبعد:
إن قضية الولاء والبراء هي من القضايا الهامة والأساسية في دين الله عزوجل، وذلك لما يترتب على هذه القضية من أحكام وواجبات وتبعات خطيرة على واقع جماعة المسلمين، ولذلك تجد أن النصوص الشرعية المستفيضة من الكتاب والسنة والإجماع قد ركزت على بيان هذه القضية بيانًا واضحًا لا لبس فيه. يقول الشيخ عبد الرحمن بن ناصرالسعدي رحمه الله عن أهمية الولاء والبراء: (فهذه مسألة مبنية على أصل كبير، وهو أن الله تعالى عقد الأخوة والموالاة والمحبة بين المؤمنين كلهم، ونهى عن موالاة الكافرين كلهم من يهود ونصارى ومجوس ومشركين وملحدين ومارقين وغيرهم، ممن ثبت في الكتاب والسنة الحكم بكفرهم. وهذا الأصل متفق عليه بين المسلمين، ودلائل هذا من الكتاب والسنة كثيرة معروفة. فكل مؤمن موحد تارك لجميع المكفرات الشرعية، فإنه يجب محبته وموالاته ونصرته، وكل من كان بخلاف ذلك، فإنه يجب التقرب إلى الله ببغضه ومعاداته، وجهاده باللسان واليد بحسب القدرة) إهـ الفتاوي السعدية (111) .
قلت: ومن هنا نعلم يقينًا أن قضية الولاء والبراء هي قضية شرعية محسومة في دين الله بالأدلة الشرعية قطعية الدلالة والثبوت فهي خارجت عن حيزالإجتهاد والرأي بحيث لايمكن لأحد أن يحرف أويميع هذه القضية العقدية الخطيرة أويتكلم فيها بالجهل والهوى. ولذا كانت قضية الولاء والبراء هي الركن الركين في دين الله لا يستقيم الإسلام أو يتحقق التوحيد أو يكتمل الإيمان إلا بحصولها في واقع المسلمين.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: (هذا الموضع غلط فيه كثير من العامة؛ بل ومن السالكين، فمنهم من يشهد القدر فقط ويشهد الحقيقة الكونية دون الدينية، فيرى أن اللّه خالق كل شيء وربه، ولا يفرق بين ما يحبه اللّه ويرضاه، وبين ما يسخطه ويبغضه، وإن قدره وقضاه ولا يميز بين توحيد الألوهية، وبين توحيد الربوبية، فيشهد الجمع الذي يشترك فيه جميع المخلوقات سعيدها وشقيها مشهد الجمع الذي يشترك فيه المؤمن والكافر، والبر والفاجر والنبي الصادق والمتنبئ الكاذب، وأهل الجنة وأهل النار، وأولياء اللّه وأعداؤه، والملائكة المقربون والمردة الشياطين؛ فإن هؤلاء كلهم يشتركون في هذا الجمع وهذه الحقيقة الكونية، وهو أن الله ربهم وخالقهم ومليكهم لا رب لهم غيره. ولا يشهد الفرق الذي فرق الله به بين أوليائه وأعدائه، وبين المؤمنين والكافرين، والأبرار والفجار، وأهل الجنة والنار وهو توحيد الألوهية، وهو عبادته وحده لا شريك له، وطاعته وطاعة رسوله، وفعل ما يحبه ويرضاه، وهو ما أمر اللّه به ورسوله أمر إيجاب، أو أمر استحباب، وترك ما نهى اللّه عنه ورسوله، وموالاة أوليائه، ومعاداة أعدائه، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وجهاد الكفار والمنافقين بالقلب واليد واللسان، فمن لم يشهد هذه الحقيقة الدينية الفارقة بين هؤلاء وهؤلاء، ويكون مع أهل الحقيقة الدينية وإلا فهو من جنس المشركين، وهو شر من اليهود والنصارى ... وأما الذي يشهد الحقيقة الكونية، وتوحيد الربوبية الشامل للخليقة، ويقر أن العباد كلهم تحت القضاء والقدر، ويسلك هذه الحقيقة، فلا يفرق بين المؤمنين والمتقين الذين أطاعوا أمر اللّه الذي بعث به رسله، وبين من عصى اللّه ورسوله من الكفار والفجار، فهؤلاء أكفر من اليهود والنصارى) إهـ مجموعة الرسائل والمسائل (1/ 7) .
(يُتْبَعُ)