فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
وقال العلامة عبد اللطيف بن عبد الرحمن آل الشيخ رحمه الله: (والمرء قد يكره الشرك، ويحب التوحيد، لكن يأتيه الخلل من جهة عدم البراءة من أهل الشرك، وترك موالاة أهل التوحيد ونصرتهم؛ فيكون متبعًا لهواه، داخلًا من الشرك في شعب تهدم دينه وما بناه، تاركًا من التوحيد أصولًا وشعبًا، لا يستقيم معها إيمانه الذي ارتضاه، فلا يحب ولا يبغض لله، ولا يعادي ولا يوالي لجلال من أنشأه وسواه؛ وكل هذا يؤخذ من شهادة أن لا إله إلا الله.) إهـ الدررالسنية (8/ 396) . ومن هنا نعلم يقينًا أن المرء لا يثبت له حكم الإسلام إلا بتحقيق أصل الولاء والبراء في واقع حياته العملية، لأن هذه القضية هي الأساس في التفريق بين التوحيد والشرك، والإيمان والكفر.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمة رحمه الله: (إنما يصير الرجل مسلمًا حنيفًا موحدًا إذا شهد أن لا إله إلا الله، فعبد الله وحده بحيث لا يشرك معه أحدًا في تألهه، ومحبته له وعبوديته وإنابته إليه، وإسلامه له، ودعائه له، والتوكل عليه، وموالاته فيه، ومعاداته فيه، ومحبته ما يحب؛ وبغضه ما يبغض) إهـ مجموع الفتاوى (8/ 164) .
ولذا كان من لوازم شهادة أن"لاإله إلا الله"أن يتولي أهل الإيمان بعضهم بعضًا برابطة الإسلام منفصلين في ذلك عن الكفار والمشركين على اختلاف مللهم الكفرية، ومتى لم يقوموا بهذا الواجب الشرعي تكن فتنة في الإرض وفساد كبير.
يقول الله تعالى: (والذين كفروا بعضهم أولياء بعض إلاّ تفعلوه تكن فتنة في الإرض وفساد كبير) سورة الأنفال الآية:73.
قال الشيخ محمد بن عبد الطيف آل الشيخ رحمه الله في تفسير هذه الآية الكريمة: (قال بعض العلماء الفضلاء: الفتنة في الأرض الشرك، والفساد الكبير اختلاط المسلم بالكافر، والمُطيع بالعاصي، فعند ذلك يختل نظام الإسلام وتضمحل حقيقة التوحيد، ويحصل من الشر ما الله به عليم؛ فلا يستقيم الإسلام، ويقوم قائم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويرتفع علم الجهاد، إلاَّ بالحب في الله والبغض فيه، وموالاة أوليائه، ومعاداة أعدائه، والآيات الدالة على ذلك، أكثر من أن تُحصر، وأما الأحاديث، فأشهرمن أن تُذكر) إهـ الدررالسنية (8/ 447) .
والمقصود بيان أن من أكبر أسباب حصول الفتنة والفساد في الأرض هو ترك موالاة المؤمنين واتخاذ الكفارأولياء، فعندها يختل نظام الإسلام ويقع الشر والبلاء .. وهكذا فإنه لما هدمت قواعد الدين، وطمست آثار التوحيد، واندثرت معالم ملة إبراهيم عليه السلام في هذا الزمان الذي اشتدت فيه غربة الدين وعادت فيه الجاهلية، وانقلبت فيه الحقائق الشرعية عند الأكثرين حتى عاد المعروف عندهم منكرًا والمنكر معروفًا، فاختلط أهل الإيمان بأهل الكفر، وألتبست الملة الإسلامية بالملل الشركية، واختل ميزان الحب والبغض والولاء والبراء عند كثير من المنتسبين إلى الإسلام، فصاروا يوالون الكفرة المشركين ويحبونهم ويقربونهم، ويتبرأون من المؤمنين الموحدين ويبغضونهم ويبعدونهم، وقد ساعد على ظهور هذه الفتنة وتثبيت أوتادها كثير من أدعياء العلم والتوحيد من المنتسبين إلى السلفية زورًا وكذبًا الذين نراهم يصدرون الفتاوي الضالة المضلة يتبرأون فيها من الموحدين والمجاهدين ويعتبرونهم خوارج العصر، بينما يوالون الحكام الكفرة الذين يحاربون الله ودينه ويسعون في الإرض فسادًا، ويفرضون الدساتير العلمانية ويحكمون بالقوانين الوضعية ويتسابقون في سياسة التطبيع مع إسرائيل ويقفون في صف الصليببن لقتال المسلمين، فعظمت الفتنة وظهر الفساد في البر والبحر، وأصبح الدين الحق غريبًا وأهله المتمسكين به هم الغرباء ولا حول ولا قوة إلا بالله.
ولذا كان من الضروري على المسلم ــ في هذا العصرـ أن يتنبه إلى خطورة الإنحراف الحاصل في قضية الولاء والبراء حتى لا تلتبس عليه الحقائق الشرعية والواقعية، أو يختلط عليه سبيل المؤمنين بسبيل المجرمين فيضع الأمور في غير موضعها الصحيح.
(يُتْبَعُ)