ـ [أبو عمر الكناني] ــــــــ [11 - May-2007, مساء 11:26] ـ
تعددت أقوال الباحثين في تحديد المعنى الاصطلاحي للوسطية، وقد حان بيان الخطأ الذي وقع فيه من كتب وأجهد نفسه، في محاولة وضع ضوابط للمصطلح؛ بحيث لا يؤدي اعتماده إلى الغلط في بناء الأحكام والمواقف الشرعية، فبعضهم جعل الوسطية مرادفًا للخيرية، وبعضهم اشترط لإطلاق الوسطية تحقق ضابطين، هما: الخيرية، والبينية.
ومكمن الخطأ أنّ الوسطية كمصطلح لم يأتِ نصٌّ بالأمر بها، إذ الوسط -كلفظ مطلق - لا يدلّ على الخيرية مطلقًا، بل يحتمل ذلك، ويحتمل غيره.
ومن هنا نجد أنّ النصوص إنّما نصت نصًا على المعاني الفاضلة الّتي يصحّ وصفها بالوسطية، وليس العكس.
وهذا يجعلنا نتوقف أمام محاولة البعض وضع ضوابط للوسطية باعتبارها منهجًا وضابطًا مستقلًا توزن به تصرفات المؤمن.
صحيح أنّ المدح والثناء بشيء يدل على الأمر، لكن حين يكون الأمر ليس منصوصًا على ضوابطه يكون للعقل مجال كبير فيه، وما كان للعقل مجال كبير فيه أصبح مظنة الاجتهاد والتحسين، الذي لا يخلو بحال من الأحوال من تأثير الهوى، أو المذهب، أو الأغراض الشخصية.
ولا يهمنا في هذا السياق إثبات العلاقة بين الخيرية والوسطية، لأننّا في بحثنا نتكلم عن الوسطية في الإسلام، أي أننا أمام بحث شرعي، والبحث الشرعي هدفه الأول والأساس إثبات دلالة النصوص والأصول والقواعد على الحكم الشرعي، فما ثبت به النص فهو الخير والعدل، أمّا وصفه بالوسطية من عدمه فهذا ليس مما أُمِرنا به ابتداءً.
وليس معنى هذا أنّ اعتبار حال التوسط مهمل أو غير ضروري، بل هو مما أُمِرنا بملاحظته والاهتمام به كوصف نفسيّ إيماني، لا كأصل عقليٍّ لبناء الأحكام والمواقف الشّرعيّة.
ومن هنا كان الكلام في الوسطية كمصطلح كلام في الحقيقة غير مجدٍ، لأنّه نظريٌّ لا عملي، ولهذا السبب - أيضًا - لا نجد للسّلف كلامًا في تحديد معنى الوسطية كمصطلح.
وإذا تأمّلنا في النّصوص وكلام أئمة العلم والسنة، تبيّن لنا أنّ المعنى الصحيح للوسطية المحمودة شرعًا هو: موافقة الحق، فالشّريعة محفوظة منصوص عليها، لا تحتاج في مسائلها وأحكامها إلى معرفة طريقة الوسط أو الوسطيّة، بل الأصل أنّ ما وافق الشرع، فهو الوسطية، عينها، وحقيقتها، ونفسها، وما خالف الشّرع فهو مائل عن الوسطية،إمّا إلى إفراط، أو إلى تفريط.
أمّا مالم يكن منصوصًا، بل هو محلّ اجتهاد، سواء كان مسألة شرعية أم كان أمرًا دنيويًا، فالأصل أن يبحث فيه بتجرّد دون تأثّر بالتوسط، بل البرهان، والدليل، وفعل السلف، والمصلحة، والمفسدة، هي الضوابط الّتي تحدّد وجه الصّواب في موارد الاجتهاد، وما الوسطية إلاّ أحد الضّوابط والمرجّحات الّتي تعين على معرفة الصّواب، واستيقانه بعد ترجيحه.
فإذا اختلف العلماء في حكم شيء ما بين موجب ومبيح، فلا يجوز أن يتّجه الباحث مباشرةً إلى التوسّط فيقول بالاستحباب، لأنّ كلّ حكم شرعي له دليله الّذي يستند عليه، سواء كان إباحةً، أم وجوبًا، أم تحريمًا.
فهذا الذي ذكرناه نظر لا يصلح، بل الوسطية في المسائل والوقائع تكون مرجّحة مقوّيةٌ لما يظهر صوابه من الاختيارات، فالوسطية نظر لاحق لا سابق.
ومنشأ ذلك هو قصور الإنسان في رؤية الوسطية، واختلاف النظر في تعيينها، ولهذا أمثلة كثيرة في التاريخ الإسلامي.
فمثلًا: بينما يرى أهل السنة أنهم وسط بين المعطلة وبين المشبهة، يرى الأشاعرة أنهم وسط بين الجهمية، وبين المشبهة، الذين هم عندهم أهل السنة مثبتة الصفات.
وبهذا نعرف الخطأ الذي وقع فيه من استحسن بعض الأحكام والأقوال لمجرد أنه رآها وسطًا.
(يُتْبَعُ)