فهرس الكتاب

الصفحة 1553 من 28557

وبسبب هذا الاضطراب والخطأ في معرفة حقيقة الوسطيّة ومعاييرها، تنكّر لها بعض الكتّاب المعاصرين، وعدّوا الكلام فيها نظريًا لا حقيقةً له، يقول معتزّ الخطيب: «ثم إننا حين نقول: إن الوسطية هي بتلك المنزلة من الإسلام فأين تقع المذاهب الإسلامية التي هي نتاج جدل وتفاعل المسلمين مع النص الديني؟ المذاهب الفقهية والعقدية على السواء. فهل تقع داخل الوسطية الإسلامية التي هي روح الإسلام أم خارجه؟ وإذا وصفت جميعًا بالوسطية من أشعرية وسلفية وماتريدية ومعتزلة إلى غير ذلك فأي معنى للوسطية بين هذه المختلفات التي تصل إلى حد التناقض في بعض الأحيان؟ ومن يملك مشروعية احتكار ذلك النعت وسلبه عن الآخرين؟ (1)

ويقول الدكتور تركي الحمد «فعندما نتحدث مثلًا عن الوسطية وننظر لها، فإننا نتفق حين نكون في دائرة التجريد والعموم، ولكننا نختلف حين ننتقل إلى دائرة المحسوس والخصوص، تمامًا مثلما نتفق على جمال الغابة حين نراها من بعيد، ولكننا نختلف على جمال الأشجار حين نكون في قلب الغابة، أسئلة كثيرة تثار حين الانتقال من التجريد إلى التجسيد، فحين الحديث عن الوسط والوسطية تثار أسئلة مثل: من يحدّد ما هو الوسط الذهبي المبتغى؟ وبأي معيار يكون التحديد؟ وهل أنّ هذا الوسط كمي أو كيفي؟ وما هو الفيصل بين الكمي والكيفي، وغير ذلك من أسئلة لا بد أن تثار حين نحاول تجسيد ما هو مجرد وعام. وفي الختام، ليس هناك إلا من يدعي بأن الوسطية ملك يمينه وحده، وكل وسطية تعارض أو تتعارض مع وسطيته هي وسطية مدعاة، تطرف في ثوب وسطية، إفراط أو تفريط، وبذلك نصل إلى ما يمكن تسميته صراع «الوسطيات» .

ويقول - أيضًا: «ففي نهاية المطاف، فإن الوسطية مفهوم غامض، حين نهبط من سماء التجريد، ونسبي حين الحديث عن الدنيا المحسوسة لا المثال المتوخى» ، ويقول أخيرًا: «لقد آن أوان التخلي عن مثل هذه المفاهيم التي لا تعني شيئًا في النهاية، وتأسيس خطاب جديد لا يكون همه مجرد المفاهيم بقدر ما يهمه تحديد معيار ملموس للحكم بصلاح الدول والمجتمعات أو فسادها، بعيدًا عن غموض تلك المفاهيم التي شتت وفرقت أكثر مما قربت أو قدمت حلًا عمليًا لمشكلات عملية، وليس مشكلات لا تقبع إلا في أذهان أصحابها» (2) .

وكلام الدكتور فيه تعويم كبير، وقد يكون له عذر في ذلك، بسبب أنّ أكثر الطّرح الّذي ينادي للوسطية في الوقت الرّاهن إنّما ينطلق من قناعته بمسلّمات ثابتة لديه، راسخة في عقله، أنّه هو ومن يمثّلهم أهل التوسّط والاعتدال، وهذا يتكرّر بعدد التيارات الّتي تنادي بالوسطية، حتّى تكوّن لدينا بحق ما سمّاه (صراع الوسطيّات) .

لكنّ هذا الكلام بالطّبع لا يلزمنا هنا، بعد أن عرفنا أنّ الوسطيّة ليست ضابطًا عقليًا ومعيارًا فكريًا لمعرفة الصواب والخطأ.

الوسطيّة فضيلة وصف الله به هذه الأمّة وكتابها وشريعتها، وبهذا تيقّنّا أنّ الشريعة ونصوصها القطعيّة وثوابتها ومعالمها الشّامخة هي المعيار للصّواب والخطأ في حياة البشريّة، بغضّ النّظر عن وصف الآخرين لذلك بالوسط أم لا، فالشّريعة هي الحاكمة.

وإذا تبيّنّا وعلمنا حكم الشّريعة ونصوص الدّين فتلك هي الوسطيّة الّتي ننشدها، وبهذا يتبيّن خطأ ما نحا الدّكتور تركي الحمد.

وقد تنبّه لهذا البروفيسور أبو يعرب المرزوقي في أحد مقالاته حيث قال: «إن مفهوم الوسطية القرآني أسيء فهمه، فمادة (و س ط) ، لم ترد في القرآن إلا في خمس آيات لا غير، وكلها تتعلق بالتوسط الوجودي، أعني التوسط الذي يصف حالة موجودة خبريًّا ولا يتكلم في التوسط القيمي الذي يكلف بتحقيق الوسط، فهو فيها جميعًا خبري ووجودي وليس إنشائيًّا وقيميًّا ... فالوسطية حال وجودية يتصف بها المسلمون» (3)

وما دام الكلام هنا عن وسطية الإسلام، فإنّ الذي يجب تأكيده أن وسطية الإسلام ثبتت بوصف الله - تعالى - له بذلك، لا بنظر بشري.

وعليه فوسطية الإسلام مقطوعٌ بها في أحكامه العلمية والعملية والتربوية.

وبهذا يصبح من الواجب أن يتوجّه من ينشد الوسطية والاعتدال في الدين إلى النص الشرعي مباشرة، فإذا تحقق من ثبوته أولًا، ومن فهمه بفهم العلماء والأئمة الّذين بيّنوه وعملِهم به ثانيًا، فإنه حينئذ قد عرف الوسطية والاعتدال حقًا من كتاب الله وسنة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم.

فالوسطية ليست علة تُشرع من أجلها الأحكام، وإنما هي وصف يُشير إلى الحكم الشّرعي، مثلها مثل الحكم والغايات الّتي يذكرها العلماء للحكم الشرعي.

ولهذا يرى الباحث من خلال تتبعه للنصوص الشرعية أنها أمرت بأحوال نصت عليها هي بلا شك ظاهرة الاعتدال والوسطيّة.

لكن لم تأمر بشيء تحت مسمى الوسط، وهذا يشير إشارة واضحة إلى أنّ اعتماد الوسطية كحال يُستنبط منه الحكم الشرعي أمر غير صحيح، والدليل على هذا هو غياب هذا الضابط في كلام السلف في نصوص وقواعد الاستدلال.

(1) (مجلة الكلمة الإلكترونية الجمعة 11، مايو 2007)

(2) تركي الحمد، الشرق الأوسط الاثنين 14 ربيع الاول 1425 هـ 3 مايو 2004 العدد 9288

(3) الملتقى الفكري للإبداع تعليق على بحث الأستاذ محمد عمارة، مقال في وسطية العقلانية الإسلامية.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت