فهرس الكتاب

الصفحة 25948 من 28557

ـ [أبو محمد صلاح الدين] ــــــــ [05 - Jul-2010, مساء 01:18] ـ

فهم الواقع والفقه فيه والعناية به

يحيى رضا جاد

1 -فهم الواقع والفقه فيه والعناية به .. ذلك كله يعين على تصور صحيح للمسألة محل الاجتهاد والتجديد, ومن ثم إصدار حكم مناسب لها [1] .. فالعالِم - كما يقول الإمام ابن القيم- هو"من يتوصل بمعرفة الواقع والفقه فيه إلى معرفة حكم الله ورسوله .. كما توصل شاهد يوسف عليه السلام بشق القميص من دبر إلى معرفة براءته وصدقه".

2 -إن"معرفة المحكوم فيه على حقيقته، ومعرفة ما يدخل فيه وما لا يدخل فيه: يقتضي المعرفة الجيدة بالواقع ومكوناته، وبالأشياء وأوصافها، وبالأفعال وأسبابها وآثارها, إذ من دون هذا يمكن أن يقع تنزيل الأحكام على غير ما وضعت له، أو على أكثر مما وضعت له، أو على أقل مما وضعت له، ويمكن أن يقع تعطيل الحكم مع وجود محله ومناطه."

إن الفقه الحق لابد أن يكون واقعيًا؛ يعرف الواقع ولا يجهله، يلتفت إليه ولا يلتفت عنه، يُعمله ولا يهمله، يبني عليه ولا يبني في فراغ.

3 -والواقع كالنهر الجاري؛ ماؤه الذي تراه اليوم غير مائه الذي رأيته بالأمس, وكذلك الواقع؛ ففي كل يوم، بل في كل لحظةٍ واقع جديد، يختلف كثيرًا أو قليلًا عن سابقه .. ولا تعنينا -كما يقول الريسوني بحق- التغيرات الطفيفة والبطيئة, ولكن تعنينا التغيرات المؤثرة سواء جاءت بطيئة أو سريعة .. هذه التغيرات إذا أصابت أمورًا هي مناط لبعض الأحكام فلابد أن تتغير تلك الأحكام التي تغيرت متعلقاتها .. فإذا ثبت أن الاعتبارات التي تغيرت كانت هي مناط الحكم، وعليها ولأجلها وضع الحكم، فلابد للفقيه أن يعيد النظر في ذلك الحكم موازنًا بين ما تغير وما جدَّ, لتقرير الحكم الملائم للوضع الجديد وللحالة الجديدة، ذلك أن الحكم الذي وضعه الشرع، أو اجتهد فيه المجتهدون، لم يوضع للحالة الجديدة التي بين أيدينا". [2] "

ونلخص من هذا إلى أن الاجتهاد ينبغي أن يلحظ, بعين الاعتبار, الواقع المتغير دومًا؛ حتى يحقق مقاصد الشريعة.

4 -إن ما ندعو إليه هو فهم الواقع, والتواصل الحقيقي مع الأمة وأحوالها, والوعي بما يجري فيها من توجهات وأعراف وميول ونوازع .. ثم محاولة فهم للواجب الذي سنقوم به حيال هذا الواقع من خلال أحكام الشريعة.

5 -وعلى كلٍ منا أن يتذكر قول عمر بن الخطاب, في رسالته الشهيرة (ودع عنك مسألة ثبوتها من عدمه؛ فإنما يهمنا المضمون) لأبي موسى الأشعري في القضاء,"الفهمَ الفهمَ فيما أدلي إليك"؛ فنحن للأسف قد اعتدنا أن نفهم الأحكام الشرعية مجردة عن الواقع، ثم ندعي مناسبتها له دون فهم عناصره ومقدماته وسياقه وقرائنه.

ولله در العز بن عبد السلام القائل بأن"كل تصرف تقاعد عن تحصيل مقصوده، فهو باطل" [3] .. ولله در مالك بن نبي الذي فرَّقَ بين (الصحة) و (الصلاحية) ؛ أي أن الكلام قد يكون (صحيحًا) ولكنه (غير صالح) [4] .. وهذا ينطبق على كل أنواع الفكر الإنساني - ومنه الاجتهاد الفقهي- الذي قد يكون فكرًا صحيحًا في زمانه ومكانه ولكنه غير صالح لزمان ومكان آخر.

إن آفتنا - التي تقف عائقًا ضخمًا في سبيل تقدمنا اليوم- هي أننا أمة لا تخضعُ للحقيقة, وإنما تبني الحقيقة، وغالبًا ما تكون تلك الحقيقة التي تبنيها حقيقةً متوهمةً متخيلةً طبقًا لما نريد نحن، فموادها وعناصرها من عقولنا نحن دون مراعاةٍ للواقع في شيء .. فنحن دائمًا نصوغ الفكرة في صورة الشعر؛ لا نستجيب للواقع, ولا ندرك أبعاده ومحدادته, وإنما نبني صورة متخيلةً بغض النظر عن الواقع [5] .

6/ 1 - نحن نريد بفقه الواقع"أن ندرس المسألةَ -على الطبيعة لا على الورق- دراسةً علمية موضوعية بلا تهوين ولا تهويل, بعيدًا عن أعين النظرات الحالمة والأفكار المتشائمة". [6] .

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت