فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
6/ 2 - إن المعنى الصحيح لمصطلح (فقه الواقع) هو: معرفة الواقع والخبرة بشئونه وأحواله على ما هي عليه .. وهو مصطلح وضع بجانب مصطلح (فقه التدين) ليكون مكملًا ومعينًا عليه, لا بديلًا عنه .. ولكن البعض يفهمه على أنه صنف جديد من الفقه يجب أن يحل محل الفقه القديم .. وفقه الواقع عند هؤلاء هو الفقه الذي (يخضع) للواقع, و (لا يصادمه) , بل (يواكبه) بفتاوى (التسويغ والتأييد والقبول والترحيب) .. وهذا في الحقيقة ليس من الفقه, ولا من الاجتهاد, في شيء, وإنما هو - إن شئت الصراحة- (فقه نفي الشريعة) و (اجتهاد في إقصائها وإلغائها) .. ومن ثم, لا ينبغي, ولا يجوز, أن نلحق بالواقع وننخرط فيه كما تفعل السواقي والروافد في النهر العظيم المتدفق؛ تذوب فيه وتفنى, وتقويه وترفع من هديره, وربما تسهم في فيضانه وزيغانه .. وإنما الذي يجب علينا فعله هو أن نتفاعل ونتعارك, ونتحاور ونتدافع, مع الواقع, ليس فقط بنوع من الندية, بل بنوع من الاستعلاء؛ الاستعلاء المتواضع المحب للخير والنفع؛ إذ ضعف المسلمين لا ينبغي أن يحجب عنا قوة الإسلام [7] .
7/ 1 - ومن الأمثلة الدالة على أهمية رعاية الواقع وملابساته والتفقه فيه:
(أ) أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن ضالّة الإبل, فقال للسائل:"دعها, معها حذاؤها وسقاؤها".. فلما جاء عثمان (رضي الله عنه) أمر بأخذ ضالة الإبل, والتعريف بها, ثم بيعها وحفظ ثمنها لصاحبها, فإذا جاء أخذه؛ لأنه رأى اختلافًا في الأحوال والعوائد .. لقد كان الأمر النبوي بترك ضالّة الإبل منطلقًا من حفظ المال في مجتمع غلبت عليه الأمانة, فإذا قلٍّت الأمانة صار إتلاف المال بتسلط الأيدي العادية وارداِّ ومحتملاِّ .. فالأمر بالأخذ -والحال كذلك- محقق لنفس المصلحة من الأمر بالترك هناك.
وهذا مثال واضح عن تغير الحكم بتغير الواقع، وهو يمثل اعترافًا من سيدنا عثمان أن الواقع الإجتماعي الذي حقق المقصد الشرعي أول مرة لم يعد موجوداِّ لتحقيق المقصد الشرعي في المرة الثانية [8] .
وأما الزعم بأن عثمان قد خالف سنة النبي (ص) بفعله هذا, فهو زعم باطل؛ لأن عثمان نظر إلى مقاصد الشريعة في الحفاظ على أموال الناس, ففعل ما هو الأصلح في زمنه, كما فعل النبي (ص) ما هو الأصلح في زمنه.
(ب) ما كان من الفقيه المالكى الكبير والشهير: ابن أبي زيد القيرواني, فقد رووا أن حائطًا انهدم من داره, وكان يخاف على نفسه من بعض الناس, فاتخذ كلبا للحراسة وربطه في الدار. فقيل له: إن الإمام مالك يكره ذلك. فقال: لو أدرك مالك زمانك لاتخذ أسدا ضاريًا!!
7/ 2 - ولنضرب الآن بعض الأمثلة التطبيقية في الموضوع:
(أ) لقد كان علماؤنا قديمًا لا يأخذون بشهادة حاسر الرأس أو حليق اللحية أو من يأكل على قارعة الطريق؛ باعتبار أن هذا من خوارم المروءة، ولو طبق هذا الرأي الفقهي الآن لخلت المحاكم من الشهود، فهذا مما عمت به البلوى .. فضلًا عن كون مسألة حلق اللحية أو عدم تغطية الرأس من الأمور الاجتهادية - لا القطعية- التي لا يجوز أصلًا إسقاط شهادة من يأتي بها.
(ب) ولم يقبل علماؤنا القدامى كذلك شهادة البدوي على الحضري؛ لأنه غير عالم بحياة الحضري ولا نمط عيشه ولا مصطلحاته. بل وورد في كلام قدامى الفقهاء النهي عند إمامة البدوي للحضري؛ لأن الغالب أن الحضري أعرف بالأحكام وأشهد للجمع والصلوات في المساجد.
(ج) ونحن نرى في أيامنا هذه أن لأهل الإسكيمو - من المسلمين- التيمم بالثلج؛ لانعدام الصعيد الطاهر، بل هو في ذاته صعيد طاهر - بالنسبة لبيئتهم- .. كما نرى جواز اقتنائهم الكلاب؛ لعدم قدرتهم على الاستغناء عنها في حياتهم اليومية.
(د) ومن أمثلة سوء إدراك الواقع - دون الدخول في تفاصيل بيان ذلك السوء؛ إذ لا يتسع المقام لها ههنا-:
· الرأي القائل بجواز عقد (معاهدات سلام) - لا (اتفاقيات هدنة) - مع العدو الإسرائيلي؛ وكأن ما بيننا وبينهم لم يكن إلا سحابة صيف؛ في حين أنه معركة حياة أو موت
· والرأي القائل بوجوب هجرة أهل فلسطين لفلسطين؛ والذي يَؤُول إلى إجازة - بل وجوب- هجرة كل أهل بلد لبلدهم؛ لمجرد كونه قد أصبح محتلًا من عدو غاشم! ولو أخذت الشعوب الإنسانية بهذا الرأي لما وجدوا لهم مكانًا على سطح الكرة الأرضية! ولَمَا كان عمران .. ولَمَا قامت حضارة!
(يُتْبَعُ)