ـ [ابن الزبير] ــــــــ [12 - Jan-2010, مساء 10:36] ـ
سنن الله -عز وجل- في عباده
كتبه/ أحمد فريد
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فقد قال الله -تعالى-: (وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ. ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوْا وَقَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ. وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ. أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ. أَوَ أَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ. أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ) (الأعراف:94 - 99) .
من رحمة بعباده أن ينوِّع لهم أسباب الهداية، فيبتليهم الله -عز وجل- بالضرَّاء لعلهم يلجئون إلى الله -عز وجل-، ويتركون معصية الله -عز وجل-، ثم يبتليهم بالسراء لعلهم يشكرون، فإذا كان العباد لا خير فيهم: إذا ابتلاهم بالضراء لا يتضرعون، وإذا ابتلاهم بالسراء لا يشكرون؛ عند ذلك لا يستحقون إلا أن ينزل عليهم بأس الله -عز وجل- وعذابه الذي لا يُردُّ عن القوم المجرمين.
قال الله -تعالى-: (وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ. ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ) (الأعراف:94) ، وقال الله -تعالى-: (وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) (الأعراف:168) ، فالله -عز وجل- يبدِّل أحوال الناس من الشدة والبؤس إلى الرخاء والنعمة، والغالب على الناس أنهم لا يعتبرون ولا يتَّعظون.
قال الله -تعالى-: (ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوْا) ، أي: حتى كثروا وكثرت أموالهم وأولادهم، (وَقَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ) أي: هذه عادة الدنيا، وهذا فعل الدهر: يوم لك ويوم عليك، ولا ارتباط بين ذلك وبين الطاعة والمعصية، فغفلوا عن آيات الله -تعالى-، ولم يتعظوا بمواعظه، (فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ) .
ثم قال الله -تعالى-: (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) .
فإذا اتقى الناس ربهم -عز وجل- الذي خلقهم ورزقهم؛ أنزل الله -عز وجل- عليهم البركات من السماء، وأخرج لهم الخيرات من الأرض، وقد قال الله -تعالى-: (وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا) (الجن:16) .
ثم قال الله -تعالى-: (أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى) أي: المُهلَكة المذكورة آنفًا (أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا) أي: عذابنا (بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ) أي: حال كمال الغفلة، (أَوَ أَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ) أي: يخوضون في الباطل، ويلهون ويلعبون، وهذا حال أهل الترف والباطل والغفلة: إما أنهم نائمون كالجيفة، وإما أنهم يلهون ويلعبون، فليس في حياتهم خير لأنفسهم ولا لغيرهم، فهم لا يعرفون ربهم -عز وجل-، ولا يعبدونه بأمره ونهيه.
(أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ) ، والأمن من مكر الله -تعالى- كبيرة عند الشافعية، وهو الاسترسال في المعاصي اتكالًا على عفو الله، وقالت الحنفية: إنه كفر كاليأس؛ لقوله -تعالى-: (إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ) (يوسف:87) ، (فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ) .
(يُتْبَعُ)