فهرس الكتاب

الصفحة 10184 من 28557

ـ [فهد محمد النميري] ــــــــ [12 - Aug-2008, مساء 09:44] ـ

الحمد لله تعالى والصلاة والسلام على رسول الله, وبعدُ:

فلا شك أن الهيمنة الفكرية أمضى أثرًا في الأمم من الاحتلال العسكري المباشر وهما أي احتلال (الأرض أو العقل) من وسائل الهيمنة وبسط النفوذ من ضمن وسائل وأدوات عديدة تتفاوت في مقدار النكاية والتأثير, وقد دل التاريخ أن مصير الاعتداءات العسكرية إلى زوال؛ لأن الشعوب تنظر إلى الجيوش المعتدية وكأنها جراثيمُ غريبة حلت بجسمٍ صحيح فلا يفتؤ يلفظها ويأباها, وهذا (ربما) يدل على أن الحروبَ المباشرة دوافعُها إما اقتصادية صِرفة أو أنه لمّا أعيت وسائل الاختراق الثقافي كانت البندقية والجندي آخر بديلٍ عن القلم والكتاب والصحيفة والقناة, ولا جرمَ بعد ذاك أن تحمي الأمم الحية أبناءَها من مخاطر الغزو الفكري بتحصينهم عقولَهم وتثقفَيها ومنعِ أي تسربٍ فكريٍ أجنبي أن يؤثر عليها؛ بل يُنظرُ إلى مثل هذه التسربات على أنها مخاطر تهدد الأمن القومي وصدقوا في ذلك؛ فهل تعلمون أن الصين -مثلًا- تفرض على شعبها طوقًا إعلاميًا لتحميه من غائلة الإعلام الأجنبي؛ وفرقٌ كبير بين الانغلاق على الذات وبين حمايتها من الاقتحام, وكما أن حماية الثغور (الحدود) مسألة أمنٍ قومي تُستنفرُ لها قوى الدول, وأيُ اختراقٍ لها ولو بمقدار شبرٍ يُعتبرُ تعديًا صارخًا على هيبة الدولة مما قد يُؤذن بحروبٍ ماحقة تُسترخص فيها النفوس والأموال, وعندنا -معشر المسلمين- أن الرباط على الثغور عبادةٌ ورد فيها من الثواب والأجر ما تهشُ له النفوس المؤمنة ومن ذلك -مثلًا- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"رباطُ يومٍ في سبيل الله خيرٌ من الدنيا وما عليها" (رواه البخاري وغيره) وارجعوا - إن شئتم- إلى كتب الحديث حتى تروا فضلَ الرباط في سبيل الله فضلًا عما ورد له في إشاراتٍ في كتاب الله, ومعلومٌ -أيضًا- أن شأن الثغور الفكرية أعظم لأن اختراقها أخطر؛ وهذا يعني أنها أولى بالعناية؛ وأن الأجر للمرابطين عليها -من باب أولى-أعظم؛ فقد يهون الخطب لاحتلال جزءٍ يسيرٍ من الأرض إن سلم دينُ أهلها ودنياهم؛ ولكن أي بقاءٍ لأناسٍ هُددت عقيدتهم وانتُقصت من أطرافها؛ وأيُ معنى للدنيا بأسرها إن فُقدَ الدينُ والإيمان, ووالله إن سُكنى القبور -عند ذاك- خيرٌ من سُكنى فاخر القصور, وتاللهِ إن مجاورة رمم الموتى أكرم من مساكنة عبيد الأعدى (الأعداء) .

والمقصود أن وسائل وأدوات وأساليب هذا الاحتلال الفكري الخبيث كثيرة يبدعُها المكر الكُبّار والعداءُ المستحكم -سيما- لأمةٍ أعظمُ ذنوبها أنها رضيت بالله ربًا وبالإسلام دينًا وبمحمدٍ صلى الله عليه وسلم رسولًا"وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد"؛ ومنها -أي من تلك الوسائل المشار إليها- (الابتعاث) الذي نراه يقذفُ بأبنائنا -وهم في غرارة الصبا وضعف الإدراك- إلى الأعداء, وهم -طبعًا- قد أَعدو للأمر عدتَه وجهزوا برامجَ متقنَة لإعادة صياغة هؤلاء الوافدين الجُدد وإن شئتَ قلت: الصيد السهل؛ حتى يعودوا إلبًا على أُمتهم وخنجرًا بيد أعدائهم, ولقد قام على إعداد تلك البرامج أعتى شيوخ الكفر وأذكى دهاة الفكر؛ كلٌ حسبَ تخصصه؛ فيتسللوا خفيةً ليسرقوا إيمانَ الواحد منهم ثم يلقوا مكانه بذرةَ الزندقة, وتعلمون-رعاكم الله- أن أساطين الكفر والتبعية من بني جلدتنا أكثرهم من أبناء البعثات إلى الغرب؛ لذلك فأنا أرى أن من ساق نعاجه إلى أودية الضباع ليس بأغبى ممن أخذ ثمرة فؤاده وأذكى ابنائه حتى وضع زمامهم في كف عدوه ثم راحَ ليغط في مراقد البلاهة ويحلم بالتنمية الشاملة والنهضة المرتقبة.

والحاصلُ أن سُعارَ الابتعاث شبَ عندنا ونشطت أياديه في رمي أبنائنا في أفواه الأفاعي الشقر لا لتبتلعهم فحسب بل لتعيد انتاجهم أفاعيَ مثلها تنهشُ في جسد أُمتنا المنهك, وإني على قناعة راسخة بأننا نستطيع -بإذن الله-مقاومة هذه الفتنة أو التخفيف من شرها وثمتَ اقتراحاتٌ لعلها تنير الطريق لمن أراد أن يبذل جهده, وتذكروا -أيها الإخوة- قول الرسول صلى الله عليه وسلم:"ولا تحقرن من المعروف شيئًا" (رواه مسلمٌ وغيره) ,كما أنني لا اعترض على أصل فكرة الابتعاث لأننا بحاجةٍ ملحةٍ إلى كثيرٍ من العلوم التي برعَ فيها القوم؛ ولكن أن

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت