ـ [آفاق] ــــــــ [17 - Apr-2007, مساء 02:26] ـ
ظهرت في الساحة الغربية كتب ودراسات كثيرة تحمل عناوين مثيرة وملفتة للنظر، تتحدث عن انهيار الغرب، وسقوط وتلاشي حضارته. بعضها يحمل العنوان نفسه، وبعضها الآخر يتناول هذا الموضوع ضمن فصول خاصة؛ وتتناول الانهيار الأخلاقي والقيَمي في المجتمعات الغربية، وفشل مؤسسة الأسرة، وانتشار واتساع دائرة الجريمة بشتى أنواعها، وعجز الأنظمة المعاصرة عن مواجهة موجات العنف والفوضى الداخلية، وانتشار سُعار الانتحار، وفشل الفلسفات الحديثة في معالجة الروح والرؤى والأفكار المُلحة التي تُطرح على عقل الإنسان الغربي .. الخ.
الحقيقة الظاهرية التي ُتريد تلك الدراسات والكتب إيصالها إلينا، هي كشف الواقع الحقيقي الذي يعيشه الغرب. لكنها في الوقت نفسه تكشف لنا عن الطرح الشفاف والتعاطي الموضوعي والصراحة الشجاعة التي يتعامل بها الغرب مع مشاكله بشتى أنواعها، فهي مشاكل حقيقية، وهي أرقام صادقة وواقعية، وأغلب هذه الكتب والدراسات تقوم على أبحاث ميدانية بأساليب علمية، لإماطة اللثام عن واقع الحياة الغربية الحالي، استشرافًا للمستقبل الغربي.
ولكن الحقيقة الموضوعية هي أن هذا الموضوع يحتاج إلى مزيد بيان وشرح وتعاطٍ منطقي معه من قبلنا نحن، حيث إن هذه الكتب والدراسات ومثيلاتها تقدم لنا معلومات غنيَّة عن الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية والأخلاقية والدينية في الغرب لا لأجل الفضائحية، بل تُقدم تحت ضوء النقد وجلد الذات أو قل: (الصراخ أو التفكير الصاخب من أجل استيقاظ الغرب) .
ومما يحسن بيانه أن الغرب ينزع منذ القدم نحو رؤية نفسه ونقدها بشكل دوري، والالتفاف حول الذات والتبصر فيها وفي إيجابياتها وسلبياتها. إنه يفكر بصوت عالٍ، وليس هذا بجديد على الغرب، فالكتب التي تتوقع موت وانهيار الغرب؛ هي سلسلة متواصلة من (نقد الذات) والتحذير من مقدمات وبشائر الانهيار الذي قد يضرب الغرب في المستقبل القريب!
لقد كان أهل الفكر والثقافة في الغرب يفكرون بصوت صاخبٍ مستصرخين أقوامهم للنهوض من حالة التردي التي يمرون بها في لحظتهم الآنيَّة، وذلك منذ كتابات ودراسات (غوبون) في كتابه الشهير (سقوط الإمبراطورية الرومانية) والكتاب الشهير (سقوط الحضارة الغربية) أو (تدهور الغرب) للمفكر الألماني (أوزفالد اشبنغل) مرورًا بما كتبه الفيلسوف البريطاني (أرنولد توينبي) حول التاريخ، وكتابات الفيلسوف الألماني الشهير (فريدريك نيتشه) وخاصة كتابه المعروف (هكذا تكلم زرادشت) الذي وصف الحضارة الغربية بدقة وبصورة عجيبة ورمزية، وكتاب (موت الغرب) لمؤلفه (باتريك. بوكانن) وغيرهم كثير.
إن هذه الدراسات هي من باب (التصحيح و النقد) وهي وإن كانت صحيحة منطقية، إلا أنها تنزع إلى التركيز على الجانب المظلم أو الخلل، وتغفل الجوانب الإيجابية الكثيرة في الغرب.
ولعل من شهادة الحق التي نشهد بها للآخرين -الحضارة الغربية- هي قدرة الغرب على النهوض السريع بعد كل كبوة وعثرة يتعثر بها، فقدراته الذاتية على نقد نفسه، ومعاودة النهوض من جديد أصبحت سمة راسخة في الغرب، الذي أصبح مدرسة في سرعة إعادة تشكيل ذاته، وسرعته وشجاعته في مواجهة أزماته الداخلية والخارجية، بقدرات ذاتية.
ومما نجده في تراثنا الأصيل عن الغرب، شهادة الصحابي الجليل والعبقري العربي الفذ (عمرو بن العاص) رضي الله عنه، الذي احتك بالغرب في السلم والحرب، وفي القوة والضعف، فقال فيهم مقولة أوجزها بعبقريته الفذة في عبارات بحق توصف بأنها تشخيص لعمل العقل السياسي والاجتماعي الغربي.
قال المستورد القرشي عند عمرو بن العاص: (سمعت رسول الله صلي الله عليه وسلم يقول:(تقوم الساعة والروم أكثر الناس) فقال له عمرو: أبصر ما تقول. قال: أقول ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فقال عمرو: لئن قلت ذلك إن فيهم لخصالًا أربع: إنهم لأحلم الناس عند فتنة، وأسرعهم إفاقة بعد مصيبة، وأوشكهم كرة بعد فرة، وخيرهم لمسكين ويتيم وضعيف، وخامسة حسنة جميلة وأمنعهم من ظلم الملوك). أخرجه الإمام مسلم.
(يُتْبَعُ)