فهنا خبر غيبي يخبر به النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن آخر الزمان، وأنَّه حينما تقوم الساعة يكون الروم - الغرب - أكثر الناس، وكأنَّ عمرو بن العاص رأى أن للبقاء جملة من الأسباب والأساسيات التي يقوم عليها، ولذا نجده ينظر إلى الروم - وهو الخبير بهم - فيتأمل إيجابياتهم التي مكنتهم من المحافظة على بنائهم وبقائهم، وهذه هي مهمة المثقفين الأولى، والتي تتمثل في تَمثُل الإيجابيات وجلبها، وتَصور السلبيات والتحذير منها، فضلًا عن صناعة وابتكار الإيجابيات، والتنبؤ بالسلبيات واجتنابها.
فعمرو بن العاص - رضي الله عنه - ذكر أولًا: أن الغرب أهل عقل وحلم عند الفتن واختلاط الأمور وتشابهها، وهذه حقيقة واضحة تبدو لمن تصفح تاريخ الغرب.
ثم ثانيًا: أنهم أسرع استدراكًا ونهوضًا بعد كبوة أو مصيبة أو كما قال الإمام النووي: (أخبرهم بعلاجها والخروج منها) ، وخذ مثالًا (ألمانيا) كيف نهضت بعد الحرب العالمية الثانية قوية فتية كأن لم يمسها بأس!
ثم ثالثًا: أنهم يبادرون إلى العودة إلى ما كانوا عليه بعد تراجع وانحسار.
ورابعًا: التكافل والتضامن الاجتماعي بينهم، ورعايتهم لحقوق بعضهم، وانتصارهم لحقوق ضعفائهم وأصحاب الحاجات عندهم، وهذه ظاهرة في المؤسسات المدنية، وحقوق الإنسان، وحقوق المساواة التي فَضلَ بها الغرب عن الشرق كثيرًا.
خامسًا: أخلاقهم السياسية وطبائعهم التحررية التي ترفض الاستسلام للظلم، والخنوع للديكتاتورية، فهم من أمنع الناس عن ظلم الحكام والملوك، فترى الشعوب تنتزع حقوقها، وتُقنن حقوقها في دساتيرها بما يضمنها مع تقلب الأحوال.
ولعل ملخص هذه الطبائع يكمن في العدالة الغربية النسبية التي تقوم عليها المجتمعات الإنسانية، بل العدل تقوم عليه السماوات والأرض، ولا تقوم إلا به، ولذا فإن الدول العادلة وإن كانت كافرة فإن الله يقيمها وينصرها، وأما الدول الديكتاتورية الظالمة وإن كانت مسلمة، فإن الله يخذلها، لأنها خذلت أعظم ميزان في السنن الكونية والشرعية، وهو ميزان العدالة والمساواة.
قال ابن تيمية في مجموع الفتاوى (28 - 63) : (فإن الناس لم يتنازعوا في أن عاقبة الظلم وخيمة وعاقبة العدل كريمة، ولهذا يُروى: الله ينصر الدولة العادلة وإن كانت كافرة، ولا ينصر الدولة الظالمة وإن كانت مؤمنة) .
وقال ابن تيمية - أيضًا - في مجموع الفتاوى (28 - 146) : (أمور الناس تستقيم في الدنيا مع العدل الذي فيه الاشتراك في أنواع الإثم أكثر مما تستقيم مع الظلم في الحقوق وإن لم تشترك في إثم، ولهذا قيل: إن الله يقيم الدولة العادلة وإن كانت كافرة، ولا يقيم الظالمة وإن كانت مسلمة. ويقال: الدنيا تدوم مع العدل والكفر، ولا تدوم مع الظلم والإسلام) .
ولذا فإن تلك الدراسات الغربية التي تتحدث عن انهيار وموت الغرب -رغم ما يغلب على أكثرها من طرح علمي، ومنهجي منطقي، وتعاطي عقلاني- إلا أنها أحيانًا تحنى منحى ظنيًا، أو تطرح رؤى مستقبلية عبارة عن توقعات شخصية لأن غرضها الإيجابي ضرب الواقع الغربي بماس كهربائي كي يراجع نفسه، تحت وطأت (فزاعة) السقوط الوشيك!
فمثلًا: الفيلسوف الألماني (اشبنغل) الذي توقع تدهور وسقوط الغرب، حيث يقول: (إن حضارة الغرب جاوزت مرحلة الشباب والقوة ودخلت في مرحلة التدهور والشيخوخة) . هو الذي كتب أيضًا عن توقعاته في وحدة العرب واشتداد شوكتهم قبل انتهاء القرن العشرين!!
إننا يجب أن نتعامل مع هذه الدراسات بمنطقية وعقلانية، حتى لا نقع تحت ضحية (التخدير العقلي) أو (أوهام النصر) الذي يرسم لنا صورة تمثل سقوط (الآخر) في ظل غفوتنا الطويلة عن اللحاق بركب الأمم. لكن البعض يسيء فهم مقصود هؤلاء، أو يجد في كتاباتهم أو مجرد عناوين كتبهم مادة مخدرة لعقله أو لنفسه، ويطلق لنفسه الأماني بسقوط غيره دونما أن يبحث عن ارتقاء نفسه!
إن الغرب يملك شجاعة وصراحة كافية في بيان عيوبه ونقد ذاته - ليس مطلقًا - ويبحث في ذلك، ولا يخافه، ووفق دراسات أكاديمية مدعومة من الجميع حكومة وشعبًا، في مقابل سكوت وصمت مجتمعاتنا العربية عن عيوبها الجوهرية.
(يُتْبَعُ)