ـ [عبدالعزيز بن عبدالله] ــــــــ [19 - Aug-2007, صباحًا 11:54] ـ
فربما يحصل في وقت النوازل والفتن اختلاف في النظرة إليها من قبل بعض أهل العلم وربما يحصل خلاف حول أمر ما؛ فيحسن - والحالة هذه - أن تنشرح صدورنا لما يقع من الخلاف؛ فما من الناس أحد إلا وهو راد ومردود عليه، وكل يؤخذ من قوله ويرد إلا الرسول - صلى الله عليه وسلم -.
ويجمل بنا نحسن الظن بأهل العلم والفضل إذا رد بعضهم على بعض، وألا ندخل في نياتهم، وأن نلتمس لهم العذر.
وإذا تبين لنا أن أحدًا من أهل العلم أخطأ سواء كان رادًا أو مردودًا عليه - فلا يسوغ لنا ترك ما عنده من الحق؛ بحجة أنه أخطأ.
وإذا كنا نميل إلى أحد من الطرفين أكثر من الآخر فلا يجوز لنا أن نتعصب له، أو نظن أن الحق معه على كل حال.
وإذا كان في نفس أحدٍ منا شيء على أحد الطرفين - فلا يكن ذلك حائلًا دون قبول الحق منه.
قال - ربنا جل وعلا: (وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى) .
وقال: (وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى) .
وقال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ) .
قال ابن حزم - رحمه الله: (وجدت أفضل نعم الله تعالى على المرء أن يطبعه على العدل وحبه، وعلى الحق وإيثاره) . (1)
وقال: (وأما من طبع على الجور واستسهاله، وعلى الظلم واستخفافه - فلييأس من أن يصلح نفسه، أو يقوِّم طباعه أبدًا، وليعلم أنه لا يفلح في دين ولا في خلق محمود) . (2) وقال الشيخ محمد الطاهر بن عاشور - رحمه الله:(والعدل مما تواطأت على حسنه الشرائع الإلهية، والعقول الحكيمة، وتمدَّح بادعاء القيام به عظماءُ الأمم، وسجلوا تمدُّحهم على نقوش الهياكل من كلدانية، ومصرية، وهندية.
وحسن العدل بمعزل عن هوى يغلب عليها في قضية خاصة، أو في مبدأ خاص تنتفع فيه بما يخالف العدل بدافع إحدى القوتين: الشاهية والغاضبة). (3) وإذا كان لدينا قدرة على رأب الصدع، وجمع الكلمة، وتقريب وجهات النظر فتلك قربة وأي قربة.
قال الله - عز وجل: (لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيم) .وإذا لم نستطع فلنجتهد بالدعاء والضراعة إلى الله أن يقرب القلوب، ويجمع الكلمة على الحق.
ولنحذر كل الحذر من الوقيعة بأهل العلم، أو السعاية بينهم، ولنعلم بأنهم لا يرضون منا بذلك مهما كان الأمر.
وإذا سلمنا الله من هذه الردود، فاشتغل الواحد منا بما يعينه - فهو خير وسلامة - إن شاء الله تعالى -.
والذي يُظَنْ بأهل الفضل سواء كان الواحد منهم رادًَّا أو مردودًا عليه - أنهم لا يرضون منا أن نتعصَّب لهم أو عليهم تفنيدًا، أو تأييدًا.
بل يرضيهم كثيرًا أن نشتغل بما يرضي الله، وينفع الناس.
ويؤسفهم كثيرًا أن تأخذ تلك الردود أكثر من حجمها، وأن تفسر على غير وجهها.
هذا وإن العاقل المحب لدينه وإخوانه المسلمين ليتمنى من صميم قلبه أن تجتمع الكلمة، وألا يحتاج الناس أو يضطروا إلى أن يردوا على بعض، وما ذلك على الله بعزيز، ولكن:
فيا دارها بالحزن إن مزارها * قريب ولكن دون ذلك أهوال
فمن العسير أن تتفق آراء الناس، واجتهاداتهم، ومن المتعذر أن يكونوا جميعًا على سنة واحدة في كل شيء، ومن المحال أن يُعْصَم الناس فلا يخطئوا.
ثم ليكن لنا في سلفنا الكرام قدوة؛ فهم خير الناس في حال الوفاق وحال الخلاف؛ حيث كانوا مثالًا يحتذى في الرحمة، والعدل، والإنصاف حتى في حال الفتنة والقتال.
روي أنه أنشد في مجلس أمير المؤمنين علي بن أبي طالب- رضي الله عنه - قول الشاعر:
فتىً كان يدنيه الغنى من صديقه * إذا ما هو استغنى ويبعده الفقر
كأن الثريا علقت بجبينه * وفي خده الشِّعرى وفي الآخر البدر
فلما سمعها علي - رضي الله عنه - قال: هذا طلحة بن عبيد الله، وكان السيف يومئذٍ ليلتئد مجردًا بينهما.
فانظر إلى عظمة الإنصاف، وروح المودة، وشرف الخصومة.
ولا ريب أن هذه المعاني تحتاج إلى مراوضة النفس كثيرًا، وإلى تذكيرها بأدب الإنصاف، وإنذارها ما يترتب على العناد والتعصب من الإثم والفساد.
وإذا استقبلنا الخلاف والردود بتلك الروح السامية، والنفس المطمئنة صارت رحمةً، وإصلاحًا، وتقويمًا، وارتقاءًا بالعقول، وتزكية للنفوس.
وبهذا نحفظ لرجالنا، وأهل العلم منا مكانتهم في القلوب، ونضمن -بإذن الله- لأمتنا تماسكها وصلابة عودها، ونوصد الباب أمام من يسعى لتفريقها والإيضاع خلالها.
والعجيب أن ترى أن اثنين من أهل العلم قد يكون بينهما خلاف حول مسألة أو مسائل، وتجد أتباعهما يتعادون، ويتمارون، وكل فريق يتعصب لصاحبه مع أن صاحبي الشأن بينهما من الود، والصلة، والرحمة الشيء الكثير!.
وأخيرًا لنستحضر أن ذلك امتحان لعقولنا وأدياننا؛ فلنحسن القول، ولنحسن العمل، ولنجانب الهوى.
(1) -الأخلاق والسير ص37.
(2) -الأخلاق والسير ص37.
(3) -أصول النظام الاجتماعي في الإسلام للطاهر بن عاشور ص186.
منقول من موقع الشيخ/محمد بن إبراهيم الحمد.
وأعتبر هذه المقالة من أحسن ما قيلت في هذا الموضوع.
فأرجوا أن تنشر في المنتديات التي تكثر فيه القيل والقال.
(يُتْبَعُ)