فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
ـ [أبو مالك العوضي] ــــــــ [17 - Nov-2007, صباحًا 07:53] ـ
إن اختلاف الناس سنة كونية لن تنتهي ما كان على الأرض اجتماع من الناس.
وهذا الاختلاف أحيانا يستدعي الحوار بين الأطراف المختلفة؛ وذلك محاولةً منهم للوصول إلى كلمة سواء بينهم يتفقون عليها.
وأحيانا يكون سبب الحوار من أحد الطرفين إظهار قوة حجته، وإفحام خصمه، ليظهر للناظر المتردد بين القولين أيهما يتبع، وإلى أيهما يميل.
وإن الحجج والأدلة والبراهين كثيرا ما تختلط، فلا تظهر الصادقة منها من الكاذبة، ولا سيما إذا كان المتكلم لسنا عليما واسع الحيلة يلبس الحق بالباطل.
وإن المتأمل لحال كثير من هؤلاء يظهر له بعض الحيل التي يتكرر استعمالها عندهم، وهذه الحيل أحيانا تكون صوابا، ولكن المكر يكون في كيفية استعمالها وتنزيلها على غير موقعها، ليحصل غرضه من ورائها.
وهناك حيل قديمة معروفة، مثل التحريف في النقل، والكذب وبتر النصوص، والإحالة على ما لا يمكن الرجوع إليه، وغير ذلك، وليس من غرضي بيان ذلك في هذا الموضوع.
وإنما غرضي بيان بعض الحيل النفسية والكلامية، وفي ذلك فائدة من وجهين:
الوجه الأول: التنبه لهذه الحيل عند مناقشة أهل الباطل والضلالات.
الوجه الثاني: استعمال هذه الحيل معهم أيضا لإظهار عوارهم وبوارهم عند المترددين.
فأولى هذه الحيل أن يأتي مناظرك في أي مسألة من المسائل فيقول لك: (عَرِّفْ لي ما تريد النقاش فيه) ، مع أن المسألة المطروحة للنقاش معروفة عندك وعنده وعند جميع الناس، ولكنه يريد منك أن تذكر تعريفا أو حدا نصيا، ليكون ذلك سبيلا للطعن في صحة كلامك، بالطعن في هذا الحد؛ لأن الحدود لا يسلم معظمها من الدخل والخلل؛ إذ إنها موضوعة بحسب طاقة البشر، فإذا جاء إلى الحد أو التعريف الذي ذكرته، فتراه يورد عليه بعض أوجه الإبطال، حتى إذا استقام له ما يريد حار عليك بقوله: ظهر الآن أن تعريفك المذكور باطل أو فاسد، وهذا يدل على أنك لا تعرف ما نتناقش فيه أصلا، فكيف تريد أن تناقش في شيء لا تعرفه؟
والطريقة التي أراها صحيحة في الجواب عن مثل هذه الشبهة أن يقال:
لماذا تريد مني تعريف هذا الشيء؟ هذا الأمر نحن نعرفه جميعا، وليس نقاشنا الآن في تعريفه، إنما نقاشنا في مسألة جزئية، فإن كنت تريد مني تعريفه لأن ذلك سينبني عليه شيء يفيد النقاش، فاذكر لي هذا الشيء حتى أتدبره في التعريف، وإن لم يكن سينبني عليه شيء فلا معنى لطلب شيء لا يفيد في النقاش.
وهناك طريقة أخرى في الجواب عن هذه الشبهة، وهي أن يقال:
-ماذا تقصد بالحد والتعريف؟ عرِّف الحد أو التعريف (ثم تورد على تعريفه الاعتراضات نفسها التي أوردها على تعريفك)
-وهل يشترط في فهم الكلام معرفة حده وتعريفه؟
-وهل كل كلمة نتكلم بها ونتفاهم بها نعرف حدها وتعريفها؟
-وهل استقام حد أو تعريف لشيء من الأشياء فخلا من الاعتراضات أصلا؟
والطريقة الأولى ينصح بها عند خطاب المنصف أو من يرجى قبوله للحق، والثانية تكون مع المبطل المعاند.
ومن الحيل المستعملة في النقاش أيضا أن يقول لك مناظرك: (عرفني بنفسك لو تكرمت؛ لأن هذا العلم دين، ولا يؤخذ العلم عن مجاهيل، وأما عن نفسي فأنا فلان بن فلان حاصل على ماجستير في كذا ودكتوراه في كذا ومعي إجازة من علماء الشام واليمن والهند والمغرب ... إلخ)
وهذه الحيلة لا تنفع مع أهل العلم، ولكن مراد صاحبها بها أن يضل العوام الذين يقرءون النقاش؛ إذ من المحتمل أن لا يفهموا كثيرا من الكلام، فحينئذ يكون اطمئنانهم أكثر إلى هذا الحاصل على الشهادات المجاز من كثير من العلماء، أما أهل العلم فلا يغرهم مثلُ هذا الكلام؛ لأنهم يعلمون أن كثيرا من هذه الشهادات والإجازات مثل العدم.
(يُتْبَعُ)