فهرس الكتاب

الصفحة 15649 من 28557

ـ [ابن الزبير] ــــــــ [01 - Mar-2009, مساء 01:06] ـ

مختصر فقه الخلاف

بسم الله الرحمن الرحيم

في هذه الفترة التي نمر بها في ساحة الدعوة إلى الله تعالى يسعى العلماء العاملون وطلبة العلم المخلصون بقصارى جهدهم إلى توحيد الكلمة ولم الشمل ورأب الصدع والتوحد لإعلاء كلمة الله، وكل ذلك إنما يتأتى بتضييق فجوة الخلاف بين أبناء الأمة وتجاوز ما يسعنا مجاوزته إلى غيره للتقدم خطوات للأمام بعد إحياء الصحوة الإسلامية في نفوس أبناء الأمة.

وما كنا نظن أن يخرج علينا من ينادي بطمس الخلاف أصلًا ليصنع من ذلك إطارًا مطاطيًا يسع كل الأفكار المنحلة الشاذة بحجة التوحد لدفع العدو المشترك، ولذا توجب علينا توضيح فقه الخلاف بين المسلمين وأنواعه وأحكامه؛ فكانت هذه الكلمات ...

الاختلاف أمر قدري كوني

قال الله تعالى: ? وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لأَمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ? (هود: 118 - 119)

قال ابن كثير رحمه الله: قال الحسن رحمه الله: الناس مختلفون على أديان شتى إلا من رحم ربك، فمن رحم ربك غير مختلف. فقيل له لذلك خلقهم؟ قال: خلق هؤلاء لجنته، وخلق هؤلاء لناره، وخلق هؤلاء لرحمته، وخلق هؤلاء لعذابه. وكذا قال عطاء والأعمش. اهـ

وقد دلت الأدلة على أن الاختلاف بين الناس واقع لا محالة وقضاء الله به نافذ لسبق الكلمة منه بتأجيل الفصل والقضاء بين الناس إلى أجل مسمى.

ولكن هل يعني هذا أن نستسلم لهذا القدر؟

كلا، فهذا الاختلاف من قدر الله الذي أمرنا شرعًا أن نفر منه إلى قدر الله بالائتلاف والاجتماع، فندفع القدر بالقدر، ننازع القدر المكروه بالقدر المحبوب، والواجب إتْباع الشرع والإيمان بالشرع، وليس ترك الشرع والاحتجاج بالقدر.

قال تعالى: ? وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ ? (آل عمران: 103)

دلت الآية على أن الاجتماع يكون على حبل الله المنزل من السماء إلى الأرض، وهذا هو الاجتماع المأمور به شرعًا.

وهذا يوضح لنا المنهج الصحيح فيما يكون عليه الاجتماع، ليس كما يظن البعض أن نجتمع على أي شيء وأن أصل الأصول أن تجتمع القلوب، فهذا وهم كبير أن تجتمع القلوب على غير حبل الله المتين وعلى غير البينات، فلن يتحقق هذا الاجتماع الموهوم، ولو فرضنا تحققه لكان غير مشروع؛ لأن الله لم يأمرنا بأي اجتماع وإنما أمرنا باجتماع معين.

وقال تعالى: ? وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَاخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْبَيِّنَاتُ ? (آل عمران: 105)

دلت الآية على أنه ليس أي افتراق منهيًا عنه، وإلا فأهل الإسلام يفارقون أهل الكتاب وأهل الملل الباطلة؛ فهل هذا الافتراق مذموم؟. هم المذمومون عليه؛ ذلك أنهم خالفوا البينات.

وقال النبي ? ناهيًا عن الاختلاف: (( إنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم ) )رواه مسلم

وقال ?: (( لتسون صفوفكم أو ليخالفن الله بين قلوبكم ) ) (صحيح الجامع: 5070) ، ورواه مسلم بلفظ: بين وجوهكم. وفي هذا الحديث دليل صريح على أن الاختلاف في الظاهر يؤدي إلى الاختلاف في الباطن.

وكذلك من أوضح الأدلة على ذلك ما رواه أبو داود عن أبي ثعلبة الخشني قال: كان الناس إذا نزلوا منزلا تفرقوا في الشعاب والأودية، فقال رسول الله ?: (( إن تفرقكم في هذه الشعاب والأودية إنما ذلكم من الشيطان ) )فلم ينزلوا بعد ذلك منزلا إلا انضم بعضهم إلى بعض حتى يقال لو بسط عليهم ثوب لعمهم. (صحيح الترغيب: 3127)

فالواجب الشرعي عند الاختلاف يكون بأمرين:

1 -السعي إلى التوحد والاجتماع على سنة رسول الله ? بفهم وتطبيق الخلفاء الراشدين ومن معهم من الصحابة رضي الله عنهم.

2 -محاربة البدع والأهواء المفرقة للأمة حتى يقل أنصارها وأتباعها.

أنواع الخلاف الواقع بين المسلمين

ينقسم الخلاف الواقع بين المسلمين إلى: اختلاف تنوع، واختلاف تضاد.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت