ـ [أبو يونس العباسي] ــــــــ [19 - Jan-2009, مساء 08:26] ـ
أبو يونس العباسي
الحمد لله معز الإسلام بنصره , ومذل الشرك بقهره , ومصرف الأمور بأمره , ومستدرج الكافرين بمكره، الذي قدر الأيام دولا بعدله , وجعل العاقبة للمتقين بفضله , والصلاة والسلام على من أعلى الله منار الإسلام بسيفه , وعلى من سار على دربه واقتفى أثره , واهتدى بهديه واستن بسنته , إلى يوم الدين.
أعظم عقوبات الإنسان
إن أعظم عقوبة يعاقب بها الإنسان , أن يحرم الهداية إلى المنهج الحق الذي جاءنا به محمد - صلى الله عليه وسلم - من عند ربه - سبحانه وتعالى - قال ابن قيم الجوزية:"من ثواب الحسنة الحسنة بعدها , ومن عقوبة السيئة السيئة بعدها", وإن المعاصي تولد أمثالها , وإن العبد يحرم الطاعة بالذنب يصيبه , ونفسك إن لم تشغلها بالحق شغلتك بالباطل , ولذلك فإنك ترى الصدّيق يوسف - عليه السلام - فضل أن يسجن على أن يرتكب الفاحشة , وقدم هداية الله على نزوات النفس , قال الله تعالى:"قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ (33) " (يوسف) , وعليه فتكون الهداية إلى الإسلام , هي أعظم ما أنعمه الله تبارك وتعالى علينا , قال الله تعالى:"يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (17) " (الحجرات)
حرمان الراحة والطمأنينة والاستقرار
وإن من عقوبات المعاصي , أن يحرم فاعلها من الطمأنينة والاستقرار , ويبتلى بالخوف والاضطراب والعيشة الضنك , قال الله تعالى"قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (123) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (124) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (125) قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آَيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى (126) وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآَيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الْآَخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى (127) " (طه) , حقا أقول: إن الإنسان لا يستطيع أن ينعم بالراحة النفسية إلا إذا التزم بمنهج الله , وعلى قدر ابتعاده عن منهج الله يحرم من الراحة النفسية والطمأنينة الحياتية , قال الله تعالى واصفا النفسية الخائفة للمنافقين بقوله:"يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (4) " (المنافقون) , في الوقت ذاته الذي وصف فيه النفسية المؤمنة بقوله:"الَّذِينَ آَمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (28) " (الرعد) , حتى إن المؤمن ليصل به الحال , إلى التلذذ بهذا الإيمان بل وبالمشاق والبلاءات التي تصيبه بسبب هذا الإيمان , ولعل هذا هو السر في تبشير الصابرين من المؤمنين بالجوع والخوف ونقص الأموال والنفس والثمرات , والبشرى لا تكون إلا فيما يفرح لا فيما يحزن , قال الله تعالى:"وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (155) " (البقرة) , قال الفضيل بن عياض:"إننا في لذة لو علمها الملوك وأبناء الملوك لجالدونا عليها بالسيوف", وقال شيخ الإسلام بن تيمية:"ماذا يفعل بي أعدائي ... إن جنتي وبستاني في صدري أينما انتقلت ارتحلت معي ... إن سجني خلوة ونفيي سياحة وقتلي شهادة. وهذا أمر لا يستغرب والنبي - صلى الله عليه وسلم - يقول كما في مسند أحمد يرويه عن ربه:"أنا جليس من ذكرني", ومن القواعد العقدية التي يحسن ذكرها هنا:"أن قدر الله لعبده المؤمن كله خير", كما في مسند أحمد من حديث صهيب أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قال:"عَجِبْتُ مِنْ قَضَاءِ اللَّهِ لِلْمُؤْمِنِ إِنَّ أَمْرَ
(يُتْبَعُ)