ـ [علي الغامدي] ــــــــ [23 - Mar-2010, مساء 06:29] ـ
أما بعد:
فلا أعتقد أن مسلما عاقلًا , يرى جهود الشيخ يوسف الأحمد الدعوية , وأعماله الاحتسابية , ورغبته في الخير ونشره , ووقوفه في وجه الباطل وأهله , سيتبادر إلى ذهنه أن هذا الشيخ الفاضل سيطالب بمنع شعيرة , أو تعطيل عبادة.
أنا أحد من استمع إلى التسجيل الذي تحدث فيه الشيخ عن إعادة بناء الحرم وتوسعته , وبما أن الحديث كان عن الاختلاط , فقد ذكر الشيخ مقترحه هذا , الذي سيساهم فيما سيساهم فيه , في منع الاختلاط إلى حدٍّ كبير , وليس أن المقصود في التوسعة منع الاختلاط وحده.
والشيخ فيما أعلم عنده بحث محكَّم , وله دراسة حول قضية التوسعة للحرم , مطافه , ومسعاه , ومواطن الصلاة فيه , وساحاته , وهو يرى تعدد الأدوار , لتستوعب أعدادا أكبر , وزوارًا أكثر , وذلك لأن الحرم الآن يضيق بالناس , وهو محتاج إلى التوسعة , وهذا مما لا خلاف في صحته واقعًا , بل إن ضيق الحرم , خصوصًا في أوقات الذروة , يشكل هاجسًا أمنيًا مزعجًا , ويحتاج إلى علاج وتدخل , كما احتاجت الجمرات إلى علاج وتدخل , فكانت المشاريع , التي قضت على كثير من المخاوف ولله الحمد.
أما محاولة تأجيج الموضوع وتهويله , والمبالغة في تناوله , واتهام الشيخ بما لا يليق , وتصفية الحسابات بدعوى الغيرة على الدين وصيانة المقدسات , أو الانتصار للدين من الغلو والتشدد , فهذا لو جاء ممن له سابقة فضل ونصح , وممن عرفت منه الحمية والغيرة , لصدَّقناه وأحسنا الظن فيه , وقلنا لعله فهم خطأ , أو لعل الشيخ لم يوفق في إيصال وجهة نظره.
أما حين يكون الاعتراض من جاهل , أو منافق عليم اللسان , أو من مريد للشهرة , باحث عن المخالفة , أو ممن يريد أن يرتقي ولو بالنيل من الأخيار , أو ممن يريد أن ينتصر لرأيه الباطل , الذي دفعه إليه الهوى , وحب المنصب , ومصانعة الرؤساء , فلم يجد إلا أن يتهم مخالفيه بالجهل وعدم التعلم , أو ممن لا يثبت على رأي , وإنما رأيه المصلحة الخاصة , وسعيه للدنيا وحطامها , فهو يدور معها حيث دارت , ممن تصدر بجهل , وتعاظم بزور , وظنَّ نفسه شيئا مذكورا , فنفخ إعلام الزور بزَوره , وأبرزه وسعى في ظهوره , فظن نفسه وحيد عصره , وفريد دهره , وهو أجهل من حمار أهله , وإن أجلب الشيطان معه بخيله ورجله , أو ممن هو كالذباب لا يراعي إلا مواضع العلل , ولا يفرح إلا بما يظن فيه الخلل , فيطير بما يسمعه , فيكون أفرح به من الكهان بما يأتيهم من مسترقة السمع , قبل أن تصيبها الشهب الثاقبة.
حين يأتي الاعتراض من الجهلة والمغرضين , وأصحاب الأهواء , وأشباه المتعلمين من المتعالمين , فهذا لا قيمة له في واقع الحال , ولاحظَّ له من صحيح النظر والاعتبار.
إن من تأمل واقع الحرمين الشريفين , وما هما عليه اليوم , لا يمكن أن يقول: إن الحرمين هما هما منذ بنيانهما , بل العقل السليم , والتفكير الصحيح , يدل على أن بنيانهما غير البنيان الذي تأسسا عليه , وهذا مما دونته الكتب , وجعلته من مفاخر ومناقب من قام به , ولم نقرأ أن أحدًا عاب أحدًا لتجديده بناء الحرمين , وعنايته بهما.
بل لم نقرأ في عناوين الصحف , ولا في مقالات المغرضين والمتعالمين , أن خادم الحرمين الشريفين هدم جزءا من الحرم المكي , حين أمر بتوسعة المسعى , ومعلوم أن المسعى كان داخل الحرم , وتم هدمه بالكامل , بل رأينا الإشادة والثناء , ولازال الإعلام والمتحدثون يشيدون بهذا في كل محفل, وفي أي مناسبة, ولعل آخرها ما كان في افتتاح الملك لدورة مجلس الشورى.
(يُتْبَعُ)