فهرس الكتاب

الصفحة 21147 من 28557

ـ [أبو عبد الله عادل السلفي] ــــــــ [14 - Nov-2009, صباحًا 05:41] ـ

الشيخ أبو أويس مولاي رشيد الإدريسي

الأخ الكريم إذا جادلت عند الحاجة 1: فاجعل الحقَّ لك مقصدًا، والحقيقة لك منْشدًا، سواءٌ ألفيتها عندك أم عند غيرك، فإن ذلك لا يَضيرك.

قال الإمام الشافعي - رحمه الله -:"ما كلَّمت أحدًا إلاَّ أحببت أن يُوفَّق ويُسدَّد ويُعان، ويكون عليه رعاية الله وحفظه، وما كلَّمت أحدًا إلاَّ ولم أُبال يُبيِّنُ اللهُ الحقَّ على لساني أو لسانه"2.

و المجادل الذي هذا جداله، هو الذي قد صحَّ عقله واستقام حاله، وصفت نفسه، لكن الواقع حتى في مجالس بعض من تجمعهم الأصول الصحيحة فقدان روح الأخوة والمودة عند أي اختلاف، بل ربما يصل الحال إلى عدم النظر إلى الوشائج العامة التي تجمعهم والتي أولها: الآدمية، وثانيها: الإسلام، وثالثها: رحم العلم.

وقد قال من ذاق لذَّة العلم ومواصلة العلماء:

وقرابة الآداب تقْصر دونهاعند اللَّبيب قرابة الأرحام

فالملاحظ في كثير من المجالس التي تقام للكلام في مسألة علمية نوع تشويش يذهب بلب صاحبه وصفاء ذهنه، بحيث يكون ذلك من أعظم أسباب التعصب ومجانبة الحق والصدور عنه .. ، {وَمَآ أُبَرِّىءُ نفسي} 3 ...

فترى المرء ينهض لمجرد أن يعترض، مع أن"الانتهاض لمجرد الاعتراض من جملة الأمراض"4.

فيا هذا تذكر أن"خير الألسن المخزون، وخير الكلام الموزون، فحدث _ إن حدثت _ بأفضل من الصمت، وزين حديثك بالوقار وحسن السمت، إن الطيش في الكلام يترجم عن خفة الأحلام، وما دخل الرفق في شيء إلا زانه وما زان المتكلم إلا الرزانة"5.

واعلم يا رعاك الله أن اعتدال المزاج عند مجالس المباحثة خاصة سبب لحسن النظر، وتصور المسائل تصورا صحيحا، فإن النفوس إذا نفرت"عميت القلوب، وخمدت الخواطر، وانسدت أبواب الفوائد"6.

ولذلك زجر الشرع عن القضاء حال الغضب، لأن الغضب وما في معناه يخرج عن حد الاعتدال فلا يحسن تصور الأمور على ما هي عليه.

قال الإمام ابن القيم رحمه الله:"وهل يستريب عاقل في أن النبي عليه الصلاة والسلام لما قال: (لا يقضي القاضي بين اثنين وهو غضبان) ، إنما كان ذلك لأن الغضب يشوش عليه قلبه وذهنه ويمنعه من كمال الفهم ويحول بينه وبين استيفاء النظر ويعمى عليه طريق العلم والقصد فمن قصر النهي على الغضب وحده دون الهم المزعج، والخوف المقلق، والجوع والظمأ الشديد، وشغل القلب المانع من الفهم فقد قل فقهه وفهمه"7.

فالكيس إذن لا يحاور"في حال الجوع والعطش، ولا في حال الخوف والغضب، ولا في حال يتغير فيها عن طبعه، ولا يتكلم في مجلس تأخذه فيه هيبة، ولا بحضرة من يزري بكلامه، لأن ذلك كله يشغل الخاطر ويقطع المادة"8.

فالحرص الحرص على هدوء النفس عند الحوار والجدال، فإن ذلك من أسباب الإصابة في الأقوال والفعال، والعرب كانت تقول:"قبل الرمي يراش السهم"، أي: هيئ الأمر وأعده قبل حاجتك إليه 9.

قال الخطيب البغدادي رحمه الله في ذكر آداب الجدل والمناظرة:"ويستشعر في نفسه الوقار، ويستعمل الهدوء، وحسن السمت، وطول الصمت إلا عند الحاجة"10.

فقد قيل:"قل أن يصح رأي مع فورة طبع، فوجب التوقف إلى حين الاعتدال"11.

إذا ما كنت ذا فضل وعلمبما اختلف الأوائل والأواخر

فناظر من تناظر في سكونحليما لا تلح ولا تكابر

يفيدك ما استفاد بلا امتنانمن النكت اللطيفة والنوادر

وإياك اللجوج ومن يرائي بأني قد غلبت ومن يفاخر

فإن الشر في جنبات هذايمني بالتقاطع والتدابر

نعم، العلم يحتاج إلى حرقة تجمع أطراف الفكر، لكنها حرقة نور لا حرقة نار، وملاك ذلك الإنصاف.

قال ابن عزوز المالكي رحمه الله:"فإن المحققين ما نالوا حقائق العلوم إلا بالشوق إليها والنهمة فيها بحرقة تجمع أطراف الفكر إلى ما هو بصدده، وهي حرقة نور لا حرقة نار، وخصلة الإنصاف ملاك الأمر كله"12.

فالحق وإن كان ثقيلا فإنه يستطاب للنفس إذا هذبت وعليه فـ"قولهم: (الحق مر) فهو باعتبار من لم تتهذب نفسه، ولم يزل مرضه."

فمن يك ذا فم مر مريضيجد مرا به الماء الزلالا

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت