فهرس الكتاب

الصفحة 21148 من 28557

فأما من كمل فإنه يستطيب الحق وإن كان ثقيلا، كما قال عليه الصلاة والسلام (وجعل قرة عيني في الصلاة) ، ومن أصلح خلقه وهذب نفسه فقد فاز أعظم المآلين"13."

فالقضية إذن أخلاقية تربوية، فـ"بالخلق الحسن وطمأنينة القلب وراحته يتمكن من معرفة العلوم التي سعى لإدراكها، والمعارف التي يفكر في تحصيلها وبه يتمكن المناظر والمخاصم من إبداء حجته، وفهم حجة صاحبه، ويسترشد بذلك إلى الصواب قولا وعملا ...."

وبالخلق الحسن يسلم العبد من مضار العجلة والطيش، لرزانته وصبره ونظره لكل ما يمكن من الاحتمالات، وتجنب ما يخشى ضرره ...

وإن حسن الخلق ليدعو إلى صفة الإنصاف، فإن صاحب الخلق الحسن يسلم غالبا من الانتصار لنفسه، والتعصب لقوله، لأن الانتصار للنفس والتعصب يحمل على الإعساف، وعدم الإنصاف"14."

فهدئ أيها المحاور من روعك، واترك الشغب عند الجدال مع إخوتك فإن"من خاض في الشغب تعوده، ومن تعوده حرم الإصابة واستروح إليه، ومن عرف به سقط سقوط الذرة"15.

فجادل بالتي هي أحسن كما أمرك ربك، وأصلح من حالك فإن"لسان الحال أبلغ من لسان المقال"16، فكيف إذا اجتمعا؟.

فـ"الجدال فيه مدافعة ومغاضبة، فيحتاج أن يكون بالتي هي أحسن حتى يصلح ما فيه من الممانعة والمدافعة، والموعظة لا تدافع كما يدافع المجادل"17.

أما من لم يكن على بصيرة من رأيه، ولا حسن في مجادلته، ولا هدوء في حاله فإنه ينزعج في محاورته، ويطيش فيلفظ بالكلام دون قيده ولا زمامه .. ، فيظن أن السبق قد حازه، والفضل قد ناله، والأمر على خلاف ما وسوس له، والعرب تقول:"عند النطاح يغلب الكبش الأجم"، لأنه فعل ذلك من غير عدة هيأها! 18.

"فالمناظرة حيث وضعت فإنها وضعت لاستخراج حكم الله في الحادثة، فاعتبر لها اعتدال الطبع"19

فيا أيها المحاور حتى لا تكون ممن ينتهض لمجرد أن يعترض فعليك مع علم العليم التحلي بخلق الحليم، فـ"أحسن شيء كلام رقيق، يستخرج من بحر عميق على لسان رجل رفيق"20.

ومن اللطائف عند هذا المقام ما حث عليه الشرع الحكيم، ويحمل عليه الذوق السليم: التبسم مع المخالف إذا كان يرجى معه تحقيق التآلف حتى وصف الموفق ابن قدامة رحمه الله بأنه كان لا يناظر أحدا إلا وهو يتبسم، حتى قال بعض الناس:"هذا الشيخ يقتل خصمه بتبسمه"21.

فـ"كن مع خصمك مستبشرا متبسما غير عبوس، فتكون أنت وخصمك عند ذلك عن دواعي الغضب والضجر أبعد"22.

فهدوء النفس إذن في هذا المجال يعكس عقلا متزنا، وفكرا منتظما، وحجة وموضوعية، كالبحر تجد الصخب والضجيج على الشاطئ وعند الصخور، حيث الماء ضحل لا جواهر فيه ولا درر، وتجد الهدوء لدى الماء الأعمق، حيث نفائس البحر وكنوزه.

أرى البحر حيث العمق والدر هادئاويلقى ضجيج البحر عند السواحل

فكن هادئا طبعا تكن ذا مهابةولا ترفعن الصوت عند التجادل

1.قيد الأمر بالحاجة لأن الجدل"لا يدعى به، بل هو من باب دفع الصائل، فإذا عارض الحق معارض جودل بالتي أحسن"الرد على المنطقيين لابن تيمية رحمه الله 468.

2.الفقيه والمتفقه للخطيب رحمه الله 2/ 49.

3.فالإنسان كإنسان عرضة للخطأ والزلل، عرضة أن يستفز بكلام أو تصرف .. ولكن العبرة بالغالب فتنبه.

4.قالها السراج البلقيني رحمه الله في محاسن الاصطلاح 176.

5.من قالات الزمخشري رحمه الله انظر أطواق الذهب 79.

6.قالها الإمام ابن عقيل رحمه الله كما في الواضح في أصول الفقه 1/ 528.

7.إعلام الموقعين 1/ 217.

8.من قالات أبي الوليد الباجي رحمه الله كما في المنهاج بترتيب الحجاج 85.

9.الأمثال لأبي عبيد رحمه الله 215.

10.الفقيه والمتفقه للخطيب رحمه الله 2/ 27.

11.قالها ابن عقيل رحمه الله انظر الآداب الشرعية لابن مفلح رحمه الله 65 مهذبه.

12.هيئة الناسك 53.

13.الذريعة إلى مكارم الشريعة 126.

14.الفتاوي السعدية 464_465.

15.قاله ابن مفلح رحمه الله انظر أصول الفقه 3/ 1424.

16.الجامع لأحكام القرآن 9/ 148.

17.الرد على المنطقيين لابن تيمية رحمه الله 468.

18.الأمثال لأبي عبيد رحمه الله 215.

19.كتاب الجدل على طريقة الفقهاء لابن عقيل رحمه الله 244.

20.قاله يحيى بن معاذ رحمه الله انظر بهجة المجالس للأثري.

21.الذيل على طبقات الحنابلة 2/ 137.

22.كما قال الجويني رحمه الله انظر الكافية في الجدل 532.

أبو أويس الإدريسي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت