فهرس الكتاب

الصفحة 21149 من 28557

"المنصف من اغتفر قليل خطإ المرء في كثير صوابه"

ـ [أبو عبد الله عادل السلفي] ــــــــ [14 - Nov-2009, صباحًا 06:04] ـ

العبرة بكثرة الفضائل ..

"المنصف من اغتفر قليل خطإ المرء في كثير صوابه"

الشيخ أبو أويس مولاي رشيد الإدريسي المغربي.

مما لا يخفى أن الغلط من طبائع البشر، بل إن الإصرار عليه يكاد يكون - في أحيان ما - طبعا آخر من طبائعهم الإنسانية الناقصة، لكن ثمة فرقا بين"الغلط"و"المغالطة"ذلك أن الغلط سببه الجهل، أو عدم إدراك الحقائق على حقيقتها، أما المغالطة فإنها تحمل معنى الجهل المركب، والتمادي في الغلط إلى منتهاه بحيث تغلق على صاحبها أبواب الرجوع، أو حتى التفكير به!.

هكذا حال من وقع في الإجحاف كما نراه من زهد بعض الناس في آخرين وطعنهم فيهم لوقوفهم على ما أخطئوا فيه وزلوا على قلته!، مع علمهم بأنه لا يخلوا إنسان من العيب والنقص مهما كان فضله وبلغت منزلته، ف"كل بني آدم خطاء .."1، و""ليس من شرط أولياء الله المتقين ألا يكونوا مخطئين في بعض الأشياء خطأ مغفورًا لهم، بل ليس من شرطهم ترك الصغائر مطلقًا، بل ليس من شرطهم ترك الكبائر أو الكفر الذي تعقبه توبة"2، بل"كيف يعصم من الخطأ من خلق ظلومًا جهولًا"3."

فالمرء لا يخلو من الأخطاءمهما أتى من جيد الآراء

فالله المستعان على هذا المنهج النشاز الذي ظهر في هذه الأعصار من تتبع الأخطاء والعثرات للبراء والفرح بها مع نسيان الفضائل والحسنات.

"ومن ذا الذي لا يخطئ"4، فرحم الله عبد الرحمن بن مهدي لما قال:"من يبرئ نفسه من الخطأ فهو مجنون"5.

والقاعدة العامة التي كان عليها السلف الصالح رضي الله عنهم أنهم إذا تكلَّموا في أحدٍ ألقوا عَباءة الهوى وراءهم ظِهْرِيًّا، وحكموا عليه بما كان به حريّا، فإلى الله المشتكى فيمن صارت مجالسُهم لسقطات النجباء سُوقًا، وغدت ألسنتهم لنشر غلطات الفُضلاء بُوقًا.

قال سعيد بن المسيب رحمه الله:"فليس من شريف ولا عالم ولا ذي سلطان إلا وفيه عيب ولا بد، ولكن من الناس من لا تذكر عيوبه .. من كان فضله أكثر من نقصه وهب نقصه لفضله"6.

وكان السلف كذلك لا يجعلون مطلقا بأدنى مخالفة من غيرهم لهم سُلَّمًا إلى القول بتبديعه اعتقادًا أو تفْسيقه عملًا.

قال الإمام الذَّهبي - رحمه الله:"لو أنَّا كلما أخطأ إمامٌ في اجتهاده في آحاد المسائل خطأً مغفورًا له، قُمنا عليه، وبدَّعناه، وهجرناه: لما سلم معنا لا ابن نصْر، ولا ابن منْده، ولا من هو أكبر منهما ... ، فنعوذ بالله من الهوى والفظاظة!"7.

وحتَّى تكون - أيُّها القارئ - على تصوِّرٍ واضح؛ من غير غُلوِّ مادح، أو هتك جارح، فنقول:"المنصف من اغتفر قليل خطإ المرء في كثير صوابه"8.

فهذه القاعدة تمثل منهجا صحيحا للسلف الصالح وأهل السنة في الحكم على الأشخاص، فقد كانوا أصحاب علم واجتهاد يُخوِّل لهم الحكم على الأنام؛ لأن الأمرَ دين يتقرب به إلى ذي الجلال والإكرام.

كما كانوا:"ذوي عدلٍ في مدحهم وفي ذمِّهم، لا يحملهم الهوى عند وجود المُراد على الإفراط في المدح، ولا يحملهم الهوى عند تعذُّر المقصود على نسيان الفضائل والمناقب وتعديد المساوئ والمثالب"9.

يقول الإمام ابن القيم رحمه الله:"من قواعد الشرع والحكمة أيضا أن من كثرت حسناته وعظمت وكان له في الإسلام تأثير ظاهر فإنه يحتمل له ما لا يحتمل لغيره، ويعفى عنه ما لا يعفى عن غيره، فإن المعصية خبث، والماء إذا بلغ قلتين لم يحمل الخبث، بخلاف الماء القليل فإنه يحمل أدنى خبث يقع فيه، ..."10،"فالبحر الخضم وإن ولغ فيه الكلب فهو مستغن عن تطهير المتطهرين، وتكلف المتكلفين"11.

ما ضرَّ نهر الفُرات يومًا أن خاض بعضُ الكلاب فيه

وتقرير ذلك مبناه على اعتبار الغالب على المرء، على حد قول أهل العلم:"الشيء يحكم له أو عليه بما غلب عليه"، و"الأحكام إنما تناط بالغالب"12، وفي ذلك قال الشافعي رحمه الله:"فإن كان الأغلب على الرجل من أمره الطاعة والمروءة قَبِلتُ شهادته وروايته، وإن كان الأغلب المعصية وخلاف المروءة رددتها"13.

"وبذلك جرت عادة الخلق أنهم يعَدِّلون العادل بالغالب من أفعاله، وربما أساء، ويفسقون الفاسق بالغالب من أفعاله، وربما أحسن"14.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت