فهرس الكتاب

الصفحة 17248 من 28557

إنّهم يفترون كذِبًا على القراصنة / يوهان هاري.

ـ [محمد المبارك] ــــــــ [27 - Apr-2009, صباحًا 12:36] ـ

مَن كان يتصوّر أن حكومات العالَم عام 2009، ستعلِن حربًا جديدةً على القراصنة؟ - كما قرأتُم، تبحرُ البحريةُ الملكيةُ، تساندها سفنٌ من حوالي عشرين دولة من الولايات المتحدة إلى الصين، في المياه الصومالية، للقبض على أشرارٍ ما زالوا يُقَدَّمونَ والببغاواتُ على أكتافهم. - وسرعان ما سوف يقاتلون سفنًا صوماليةً، أو يطاردون القراصنة على اليابسة في بلدٍ من أتعسِ بلدان الدنيا. لكن وراء الأكمة ما وراءها. ثمّة فضيحةٌ لا يعرفها أحد. فالناسُ الموصوفون بأنهم أخطرُ مَن يتهدّدُنا، لديهم قصةٌ يروونها وحقٌّ إلى جانبهم. - لم يكن القراصنةُ، البتّةَ، مثلَ ما تصوّرناهم. في «العصر الذهبيّ للقرصنة» - من 1650 إلى1730 - قدّمت الحكومةُ البريطانيةُ القرصانَ باعتباره لصًا شريرًا عديم الإحساس. أناسٌ كثارٌ اقتنعوا بأن الصورة زائفةٌ. وغالبًا ما كان القراصنةُ ينجون من حبل المشنقة بفضل الجماهير. - المؤرخ ماركوس رَدِيكَر تابَعَ الأمرَ في كتابه «أشرارُ كلِّ الأمم» . لو حدثَ أنك صرتَ بحّارً في الأسطول التجاري أو القوّة البحرية - بعد التقاطك وأنت شابٌّ جائعٌ من شرقيّ لندن - فإنك ستنتهي إلى جحيمٍ من لوحٍ عائمٍ. ستعمل ساعاتٍ طوالًا، نصف جائعٍ، في سفينةٍ مكتظةٍ. وإن تراخيتَ لحظةً تعرّضتَ لسوطِ القبطان ذي الشعَبِ التسعِ. فإن تكرّرَ تراخيكَ أُلقِيَ بك في البحر. وفي النهاية، بعد شهورٍ، أو أعوامٍ، سيغشّونك في أجورك. - كان القراصنةُ أول المتمردين على هذا العالَم. لقد تمردوا على طغيان القباطنة، وابتدعوا طريقةً جديدةً للعمل في البحر. حالما يستولون على سفينةٍ، ينتخبون قباطنتَهم، ويتخذون قراراتِهم بصورةٍ جمعية. - كانوا يتقاسمون الغنائم بطريقةٍ سمّاها رَديكَرْ «الأكثر مساواتيةً في توزيع الثروة في القرن الثامن عشر» . بل إنهم كانوا يأخذون أفارقةً رقيقًا ليعيشوا معهم على قدم المساواة. لقد بيّنَ القراصنةُ «بوضوحٍ تامٍّ وتخريبيّ أنّ بالإمكان تسيير السفن بطريقةٍ مختلفة، غير قمعيّة، كما هو الأمر في البحرية الملكية» . - لهذا السبب كانت شعبيّتُهم الكبيرة بالرغم من كونهم لصوصًا غير منتِجين. كلماتُ قرصانٍ من ذلك الزمن المنسيّ ــ شابّ بريطانيّ اسمه وليم سكوت ــ ينبغي أن يتردد صداها في آذاننا اليوم في عصر القرصنة الجديد هذا. لقد قال، قبل أن يُشنَق في شارلستون في كارولاينا الجنوبية: «فعلتُ ما فعلتُ لأظل على قيد الحياة. أُرغِمتُ على القرصنةِ لأعيش» . - في 1991، انهارت الحكومة الصوماليةُ في القَرن الأفريقيّ. ومُذذاك ظلَّ السكانُ، وهم تسعة ملايين، جياعًا. وقد رأت قوى شريرةٌ في الغرب، في هذا، فرصةً كبرى لسرقة موارد البلد الغذائية، ودفنِ المخلّفاتِ النووية في مياه الصومال. المخلّفات النووية. نعم. - وبعد رحيل الحكومة، شرعت سفنٌ أوروبيةٌ غامضةٌ تظهر على شاطئ الصومال، لتتخلّص من براميلَ ضخمةٍ في المحيط. بدأ سكّانُ السواحلِ يمرضون. في أول الأمر عانَوا طفَحًا غريبًا، وتقيّؤًا ومواليد مشوَّهين. ثم في 2005، بعد التسونامي، قذفَ البحرُ إلى الساحل مئات البراميلِ المنخوبة. - شرع الناس يعانون أمراض الإشعاع، ومات أكثرُ من ثلاثمئة منهم. - أخبرني أحمدو وِلد عبد الله، موفَد الأمم المتحدة إلى الصومال أنّ «هناك مَن يدفن موادّ نوويةً هنا. هناك رصاصٌ أيضًا ومعادنُ ثقيلةٌ مثل الكادميوم والزئبق ــ أنت سَمِّها» . الكثير من هذا يعود إلى مستشفيات ومصانع أوروبية، تَعهَد بالموادّ إلى المافيا الإيطالية لتتخلّص منها بأرخص الأثمان. وحين استفسرتُ من وِلد عبد الله عمّا تفعله الحكومات الأوروبية بصدد هذا، قال متحسرًا: «لا شيء. لا تنظيف. لا تعويض. لا وقاية» . - وفي الوقت نفسه، كانت سفنٌ أوروبيةٌ أخرى تنهب البحار الصومالية من موردها الرئيس: الغذاء البحريّ. - لقد دمّرنا ثروتَنا السمكية بزيادة الاستغلال، والآنَ ذهبنا إليهم. أكثر ممّا قيمتُه 300 مليون دولار من سمك التونة والروبيان واللوبستر وسواها، تُسرَق سنويًا بسفن صيدٍ عملاقةٍ تبحرُ بطريقةٍ غير مشروعةٍ في مياه الصومال غيرِ المحميّة. - لقد فقد الصيادون المحليون وسيلة عيشهم، وهم الآن جائعون. قال محمد

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت