ـ [عدنان البخاري] ــــــــ [18 - Aug-2007, مساء 01:49] ـ
/// الحمدلله حمدًا يليق بجلال وجهه وعظيم سلطانه، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وأتباعه ... أما بعد
• فقد استفاض تحذير السلف رضي الله تعالى عنهم عن جنسٍ من القُصَّاص برزوا في زمانهم (وأي شيءٍ كان زمانهم!) اشتغلوا بوعظ عامة الناس وتتوِيْبِهم، فنفع الله بهم نفعًا عظيمًا في أماثل وطوائف من دهماء الناس والنساء والفسقة وأصحاب الجاه والمال وغيرهم.
• نعم .. لكن ذلك لم يمنع السلف من التحذير من أخطائهم وزجرهم، ثم التنفير عنهم.
/// ذلك لما وقع في كثيرٍ منهم من خروجٍ عن جادة العلم والهدي الصحيح في الوعظ (القص على الناس) ؛ كالاستهانة بأحاديث رسول الله (ص) ، بذكر مالا يُعرف صحَّتها منها من ضعيفها، أوالتهوين في بعض المعاصي أوالتهرُّب من الإنكار عليها؛ لاستمالة الناس عما هو أعظم منها -زعموا-!
ثم ما قد يتبع ذلك من توابع مفسدة للقلوب والبواطن من تسلُّط (شهوة الرِّئاسة وحبِّ الظهور) على بعض هؤلاء المساكين، والترفُّع عن الحقِّ، وعدم التذلُّلِ لطلبه من أهله.
• وقد كان لهذه الشهوة العارمة (شهوة الظهور) توابع خطيرة أفسدت فضيلة القاصَّ وأثره، من تجرُّؤٍ على الفُتْيَا فيما لا يحسن، بل الخوض في كلِّ ما لا يحسنه أمثاله ممَّن هم عامَّةٌ عند أهل التَّحقيق والمعرفة بالعلم الصَّحيح، والتَّهوين من أمر العِلْم وأهله، والعقيدة، والفقه والحديث ... إلى غير ذلك من توابع فاسدة.
/// لكن ... في مقابل ذلك كان بعض أئمة السَّلَف يشيدون ببعض هؤلاء في قصصهم ووعظم؛ من جهة شدَّة أثرهم على النَّاس، وتذكيرهم إيَّاهم بالآخرة والصِّراط والحشْر، وحاجة النَّاس لمثل هذا، ممَّا لا ينكره منصفٌ.
ومع هذا كلِّه ... فلم يحسن السكوت عن بعض هؤلاء الذين يتعدُّون ما يحسنون إلى مالا يحسنون.
• ابتداءًا .. فالقصُّ والوعظ والدَّعوة أسماء ووظائف قد جاءت به الشَّريعة، وطريقة الوعظ بالقصص والتخويف من النار، والترهيب من المعاصي ووعيدها =ليست خارجة عن هدي السلف؛ بل ليست خارجة عن منهج الأصلين، الكتاب والسنة؛ إذ كتاب الله وسنة النبي (ص) مليئان بالتربية، والوعظ، والدعوة بالقصص، والنُّصح، والتخويف، والترغيب، ونحو ذلك.
/// ولم يذمَّ القُصَّاص السلفُ (( بإطلاقٍ ) )؛ فلم يذمُّونهم والقصص والوعظ والدعوة والنصح (ممن بضاعته في العلم قليلة) =ليس منهيًا عنها لذاتها، بل كان ذمُّهم لهم لما قد يحصل بسببه من محاذير تقدَّم الكلام عليها.
/// وإنما كان تحذيرهم والتحذير منهم على أخطاء وقعوا فيها، وهي التي وقع في مثلها أو اختها قُصَّاص العصر.
/// والسَّلف رحمهم الله لم يكونوا يمنعون من القصص مطلقًا (وهي الوعظ أوالدَّعوة إلى الله أو المحاضرة في مصطلحنا المعاصر) ، ولا كانوا يحذِّرون من القُصاَّص لذات القصِّ، والمنقول عنهم في هذا كثيرٌ سيأتي نقله عنهم إن شاء الله في مشاركةٍ تاليةٍ بحوله وقوَّته.
• وثانيًا .. ينبغي تنزيل النَّاس منازلهم، وأن لا يُعطوا من الدرجات ما لا يستحقُّونها، ولا يجوز شرعًا تنصيبهم عليها، بلْه ارتقائهم هم فوقها، جهلًا بأقدار أنفسهم.
/// وقد كان النَّاس يسمُّونه قديمًا بـ (القاصِّ) ، أو (المذكِّر) ، ثمَّ حديثًا بـ (( الواعِظ ) )أو (( الدَّاعيَّة إلى الله ) ).
• وثالثًا .. فإنَّ النَّاس المشتغلون بهذا الباب في ذا العصرأحد ثلاثةٍ؛ جاهلٍ، أوطالب علمٍ لم يبلغ المنزلة، أوعالمٍ.
/// فقاصٌّ له من العلم نسَب، ومنه سبب، ودفعه رِقَّة قلبه وحسن تربيته لنفسه على الاشتغال بهذا الأمر العظيم، وصانه علمه من الوقوع في الخلط.
/// وقاصٌّ طالب علمٍ، أوباحثٍ عنه، أومحبٍّ له، وسائلٍ لأهله، هو في الحال قريبٌ من الأوَّل.
/// وثالثٌ عامِّيٌّ في علم الشَّرع، ثمُّ هو على مراتب.
/// فشخصٌ جاهِلٌ، جهولٌ، جهَّالةٌ، جهِلٌ، قرأ بعد سنين من حياته أحاديث في الصُّحف والتقميشات وآتاه الله حسن البيان فصار يعظ النَّاس ونبغ وصار فلتةً على غفلةٍ من النَّاس، ولكن .. بما عنده من التَّقميش والقيل والقال، من غير نظر ولا تحقُّقٍ من صحيحه أوسقيمه، وأنَّى له ذلك، وفاقد الشَّيء لا يعطيه!
(يُتْبَعُ)