فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
/// وشخصٌ (مثقَّف) ؛ أوتي من أنواع الفنون والعلوم بطرفٍ، من غيرتأصيل صحيحٍ في علم الشَّرع، وله من البلاغة والبيان سهم، لكنَّه كالأوَّل لا يحقِّق ولا عنده الأهليَّة لذاك، فيخبط خبط عشواء، فيصيب مرَّة ويخطيء أخرى.
/// والمشاهد في أحوال هؤلاء في هذا العصْر أنَّ كثيرًا منهم قد اشتغل بوعظه ولمَّا يتأهَّل للعلم الشَّرعيِّ، فلمَّا ذاع صيتهم، وراجت بين الدَّهماء بضاعتهم =ظنَّ أنَّ كلَّ من أجاد الكلام والخطب وحسن البيان صار إمامًا للفتوى وحلِّ النِّزاع والخلاف في المعضلات، فتعدَّى ذلك منه إلى الخوض في كلِّ شيءٍ، وزان في نظره الخوض فيما له بريقٌ ورونقٌ عند النَّاس، مع غفلة عن المزالق التي تعترضه لقلِّة بضاعته وضعف نظره.
تصدَّر للتَّدريس كلُّ مهوِّس /// /// /// بليدٍ تسمَّى بالفقيه المدرِّسِ
فحُقَّ لأهل العِلم أن يتمثَّلُوا /// /// /// ببيتٍ قديمٍ شاع في كلِّ مجلسِ:
لقد هزلت -حتَّى بدا من هزالها- /// /// /// كلاها وحتَّى سامها (كلُّ مفلسِ) !
/// وهذه الفتنة (فتنة جهَّال القصَّاص المفتين) ظهرت جليَّة في هذا العصر في فئامٍ من قُصَّاص الأشرطة المسموعة المرئية والمحاظرات والفضائيَّات.
/// ولا شكَّ ولا ريب ولا مرية أنَّه قد ينفع الله بهؤلاء كثيرًا في وعظهم وقصِّهم، فيتوب على أيديهم جماعة، ويستقيم فئات لا يوصل إليهم وإلى آذانهم إلاَّ من طريقهم (كالممثِّلات والرَّاقصات! والدَّهماء في الشَّارع) =كلُّ ذلك صحيحٌ موافقٌ للإنصاف.
/// وأيضًا .. قد نحسب -ولا نزكِّي على الله أحدًا- أنَّ كثيرًا من هؤلاء القصَّاص على خيرٍ وصِدْقٍ فيما هم مقبلون فيه.
• لكن .. الإشكال والمعْضلة والبلوى حين يُسأل أمثال هؤلاء عن فتوىً لا يحسن جوابها فيفتي، أو يدخل في ضائقةٍ لا يتَّسع لها علمه القليل -إن كان له علمٌ شرعيٌّ مؤصَّلٌ أصلًا-، أويُشغل الناس عن باطلٍ بباطل مثله.
/// وممَّا سمعته من أحوال بعض هؤلاء من العجب، وما أكثر أعاجيب هذا الزمان؛ أنَّه جُمِعت له الجموع تحت خيمة فملأ (محاضرته) كلها بضحكٍ ومزحٍ وفكاهة وتهريج، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّد!
ولم يعرِّج على ذكر آيةٍ من كتاب الله أو حديثٍ عن رسول الله أو كلامٍ لأحدٍ من أهل العلم؛ إلَّا شيئًا لا يكاد يُذكر في ذاك الخضم.
/// فأيُّ شيءٍ هذا من القصِّ الذي كان في زمن السَّلف؟!
/// لقد كان قصَّاص السلف يُبكون ويتوِّبون ويدعون إلى الله بذلك، فصرنا إلى زمنٍ نُضحِكُ ونهرِّج، ونتوِّب الناس بذلك!
• نعم .. لا بأس بتقريب الحق لهم بشيءٍ من الطرفة والفكاهة وإلانة الحديث وتبسيطه، أما أنْ تغدو (الدعوة إلى الله) فكاهة وضحكًا وسخرية وتهريجًا فهنا النكرة.
/// إذن .. لقد كان حقًّا على القاصِّ إذْ منَّ الله عليه ببسط آذان الناس له ورمي أبصارهم إليه =أن يطوِّر من قدراته، ويرفع من كفاءته بالطَّريقة الشَّرعية التي من سلكها فقد نجا وسُدِّد وأصاب.
ألا وهي تعلُّم العلم الشَّرعي الصَّحيح على أربابه، ولو كان ذلك الآن!
/// وإنِّي لأعلمُ أنَّ هذه طريقة مقلوبة في صعود (سُلَّمِ الأضواء) !؛ لكنَّها ضروريَّةٌ، إذ ما حيلة المضطرِّ إلاَّ ركوبها؛ إذْ كان الأجدر والأصل للقاصِّ قبل أن يتصدَّر ويشتهر أنْ ينهل من العلم ما يسدُّ به جوعة الناس وسؤالاتهم.
وكان الأولى بالقاصِّ أنْ يُصلِح من سلوكه إن كان فيه ما يشين (كحلق لحية وسماع غناءٍ ونحوهما ) ) .. بدل تسويغ ذلك باسم الدَّعوة أوتبريره باسم الخلاف!
يا أيُها الرَّجلُ المعلِّم غيرَه /// /// /// هلَّا لنفسك كان ذا التَّعليم!
/// نعم .. لا شكَّ أنَّ الوعظ ليس خاصًّا بالمعصومين من الخطايا.
فمن ذا الذي ما ساء قطُّ /// /// /// ومن له الحسنى فقط؟!
/// وأيضًا:
ولو لم يعظ في النَّاس من هو مذنب /// /// /// فمن يعظ النَّاس بعد محمَّد؟!
ولكن ... دليل الفعل أوعظ في النُّفوس من القول.
/// ثمَّ .. إلى متى وأنت تتباكى وتبكي، وتعظ، وتقصُّ، وترغِّب وترهِّب، وتمرُّ عليك السُنون، وذيع صيتك في العالمين، ثمَّ .. أنت على المعاصي الظَّاهرة ما زلتَ مقيم؟!
/// أَمَا وقد تصدَّر عن جهلٍ أو قلِّة علمٍ أو تقصيرٍ في جوانب من السُّلُوك والهدي =فقد قامت عليه الحجَّة، وآن وقت الإصلاح للنَّفس قبل الغير!
(يُتْبَعُ)