فهرس الكتاب

الصفحة 22862 من 28557

ـ [ابن الزبير] ــــــــ [30 - Jan-2010, مساء 01:45] ـ

الصحوة الإسلامية وأزمة بناء الشخصية

كتبه/ ياسر برهامي

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فإن الصحوة الإسلامية قد ضربت بجذورها في كل أرجاء العالم الإسلامي، بل في بلاد الكفر ذاتها، وأصبحت العودة إلى الدين والالتزام به سِمَةً عامة في الشعوب والأفراد المسلمين لا يخطئها ناظر، ولا يستطيع أن يُغفلها مراقب.

وإن كل مسلم يدين بالولاء لله ولرسوله -صلى الله عليه وسلم- وللمؤمنين لابد وأن يكون ناصحًا لأبناء أمته، حريصًا على هدايتهم وعزِّهم وكرامتهم؛ ونصيحتُهم بما فيه خير دينهم ودنياهم واجبةٌ عليه من أعظم مقتضيات دينه؛ كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (الدِّينُ النَّصِيحَة) . قُالوا:"لِمَنْ"؟ قَال: (لِلَّهِ وَلِكِتَابِهِ وَلِرَسُولِهِ وَلأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ) (رواه مسلم) ؛ وإن مِن مقتضى تلك النصيحة إرشاد الأمة -وأبناء الصحوة على جهة الخصوص- إلى ما فيه قوة هذه الصحوة واستمرارها وثباتها على المنهج المستقيم.

فقد تبيَّن عبر تجارب التاريخ وما خاضه المسلمون من معارك وصراعات: أن قوة هذه الأمة هي في تمسكها بما جاء به نبيها -صلى الله عليه وسلم- كتابًا وسنة؛ مهما ضعفت قوتها المادية، وأن هزيمتها وضعفها هما في قبول الثقافات الوافدة إليها المخالِفة لكتاب ربها وسنة نبيها؛ مهما كان عند الأمة من أسباب القوة المادية.

ولهذا كان واجب المحافظة على الصحوة الإسلامية وصحة توجهها متمثلًا في المقام الأول في إيجاد الشخصية المسلمة المتكاملة التي هي حجر الزاوية واللبنة الأولى في أي بناء دعوي أو عمل تربوي. وهذه الشخصية المسلمة المتكاملة بأركانها الثلاثة التي بَيَّنها النبي -صلى الله عليه وسلم- في حديث جبريل -الإسلام والإيمان والإحسان- لابد أن تتلقى مصادر تكوينها من المنبع الصافي الذي جاء به الرسول -صلى الله عليه وسلم- كما فهمه وطبَّقه الصحابة والتابعون وتابعوهم -رضي الله عنهم-.

ولو تأملنا ما حدث مِن خلل في تكوين هذه الشخصية في مراحل التاريخ المختلفة، بل في محاولات البناء المعاصرة لأبناء الصحوة بسبب المناهج المستوردة من ثقافات الأمم المخالفة لأهل الإسلام في هذه الجوانب الثلاثة: الجانب العقدي -الإيمان-، والجانب العبادي والعملي -الإسلام-، والجانب السلوكي والخلقي -الإحسان-؛ لعلمنا لماذا وصل حال أمتنا إلى ما وصل إليه، ومدى خطورة العقبات التي تواجهها الصحوة في حال فقدِها لثوابت التكوين لهذه الشخصية المسلمة وتعرضِها للتشويه والخلل.

ففي جانب الإيمان والعقيدة: كان علم الكلام ومناهج الفلسفة من أعظم أسباب الانحراف، وظهورِ الفرق المبتدعة، ونقصِ أو انعدامِ النور والهُدى الذي تميزت به العقيدة الإسلامية كما جاء بها رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؛ حتى فَقَد مَن وقع في خضم هذه العلوم لذة الإيمان وحلاوته التي تغيِّر القلوب من الداخل، بل تغيِّر الإنسان كله.

وفي الجانب العبادي والعملي: كان التقليدُ والتعصبُ المذهبيُّ وتفريعاتُ القياسيين البعيدةُ، والتحاكمُ إلى متون المشايخ دون نصوص الكتاب والسنة سببًا في تفرُّق الأمة واختلافها وتباغضها، ثم في تحول هذا الميراث كله في حس المقلدين المتأخرين إلى شعورهم أن الدين -الذي ما عَلِموه إلا هذا التقليد والتعصب- إنما هو مجموعة من المتناقضات ينتقي منها الإنسان ما يشتهيه؛ مما مهَّد الطريق أمام العلمانية والتغريب لنبذ كل هذا، ومعه نبذ أصول المنهج الإسلامي نفسه؛ بإلغاء مرجعية النصوص القرآنية والنبوية وإجماع سلف الأمة وما يتفرع منها، واستبدالِ النصوص الغربية والأفكار العلمانية التخريبية بها، والتي أعلنت بعد ذلك حربها للإسلام نفسِه دون مواربة؛ فكانت أخطر البدع التي شهدها عصرنا متمثلة في فصل الدين عن الدولة، بل عن الحياة كلها.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت