ـ [ابو نذر الرحمان] ــــــــ [04 - May-2009, مساء 12:00] ـ
رثاء شيخ الإسلام محمد العثيمين
رَحِمَهُ اللهُ تَعَالى
تَألِيْفُ
ذِيَابِ بنِ سَعَدٍ آلِ حَمْدَانَ الغَامِدِيِّ
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيْمِ
الحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِيْنَ، والصَّلاةُ والسَّلامُ عَلَى عَبْدِه ورَسُوْلِهِ الأمِيْنِ.
أمَّا بَعْدُ: فَمَعَ غُرُوْبِ شَمْسِ يَوْمِ الأرْبِعَاءِ النِّصْفِ مِنْ شَوَّالٍ لِعَامِ ألْفٍ وأرْبَعْمَائَةٍ ووَاحِدٍ وعِشْرِيْنَ مِنَ الهِجْرَةِ النَّبَوِيَّةِ (1421) ؛ جَاءنِي مَا كُنْتُ أُحَاذِرُهُ، والحَذَرُ مِنَ القَدَرِ سَفَاهَةٌ وعَمَايَةٌ: بأنَّ شَيْخَنا مُحَمَّدَ العُثَيْمِيْنِ مَاتَ اليَوْمَ!
فَحِيْنَئِذٍ مَا كَانَ لِي أنْ أحْبِسَ دَمْعًا ظَنَنْتُهُ عَصِيًّا!، فَعِنْدَهَا فَاضَتِ العَيْنَانِ، وبَرَدَ اللِّسَانُ، ولَمْ أَمْلِكْ عِنْدَها إلاَّ تَرْجِيْعَاتٍ ورَحَمَاتٍ أُرَدِّدُها ... نَرْبِطُ بِهَا خَفَقَانَ قُلُوْبِنَا، ونَتَسَلَّى بِهَا فِي مُصَابنَِا!
ومَا عَليَّ أنْ أُرِيْقَ دَمْعًا مَا لَمْ يَكُنْ لَغْوًا، ولا لَقْلَقَةً، وهَلْ يَمْلِكُ مِثْلِي سِوَى دَمَعَاتٍ طَالَمَا جَنَّدَهَا وجَيَّشَهَا لِيَوْمِ الكَرِيْهَةٍ؟!، والمَوْتُ حَقٌّ لاشَكَّ فِيْه!
وقَدْ ذَكَرْتُ قَوْلَ ذِي الرُّمَّةِ:
لَعَلَّ انْحِدَارَ الدَّمْعِ يُعْقِبُ رَاحَةً مِنَ الوَجْدِ أو يَشْفِي شَجِيَّ البَلابِلِ
وهَذَا الفَرَزْدَقُ أيْضًا فِي نَفْسِ المَعْنَى:
ألَمْ تَرَ يَوْمَ جَوِّ سُوَيْقةٍ بَكَيْتُ فَنَادَتْني هُنيْدَةُ مَا لِيَا
فَقُلْتُ لَهَا إنَّ البُكَاءَ لَرَاحَةٌ بِه يَشْتَفِي مَنْ ظَنَّ أنْ لا تَلاقِيَا
نَعَمْ؛ مَاتَ حَسَنَةُ الوَقْتِ، وكَهْفُ العِلْمِ ... يَوْمَ نَحْنُ أحْوَجُ مَا نَكُوْنُ إلَيْهِم مِنَ الطَّعَامِ والشَّرَابِ؛ فِي زَمَنٍ تَكَاثَرَتْ رُوَيْبِضَاتُه، وطُفِّفَتْ مَوَازِيْنُه، وأقْبَلَتْ فِتَنُهُ كأمْوَاجِ لَيْلِ الدَّالِجِيْنَ!
وَهَلْ كَانَ البَقَاءُ يَوْمًا لأحَدٍ مِنَ العَالَمِيْنَ؟! لا؛ فَهَذِه تَعْزِيَةٌ فَخُذْهَا يَوْمَ تَقِلُّ التَّعَازِي!
فَرَحِمَكَ اللهُ: أبَا عَبْدِ اللهِ!؛ فإنْ عَزَّتْ حَيَاتُكَ فَلَقَدْ هَدَّتْ وَفَاتُكَ، ولَنِعمَ الرُّوْحُ رُوْحٌ ضَمَّهُ بَدَنُكَ، ولَنِعْمَ البَدَنُ بَدَنٌ ضَمَّهُ كَفَنُكَ!، فَطِبْتَ حَيًّا ومَيِّتًا، وإنْ كَانَتْ أنْفُسُنا غَيْرَ طَيِّبَةٍ بِفِرَاقِكَ، ولا شَاكَّةٍ فِيْما اخْتَارَهُ اللهُ لَكَ!، فَقَدْ شَهَرَك ربُّكَ عِنْدَ مَوْتِكَ بِفَضْلِكَ، وألْبَسَكَ رِدَاءَ عَمَلِكَ، فَلَوْ رَأيْتَ مَنْ حَضَرَكَ عَلِمتَ: أنَّ رَبَّكَ قَدْ أكْرَمَكَ وشَرَّفَكَ، واللهُ حَسِيْبُكَ! وعِنْدَه يَقُوْلُ غَيْرِي:
ومَا الدَّهْرُ والأيَّامُ إلاَّ كَمَا تَرَى رَزِيَّةُ مَالٍ أو فِرَاقُ حَبِيْبِ
أمَا واللهِ! لَئِنْ فَاتَنِي أنْ أُصَلِّيَّ عَلَيْكَ صَلاةَ الحَاضِرِيْنَ، لا فَاتَنِي حُسْنُ الثَّنَاءِ عَلَيْكَ قُرْبَةً لِرَبِّ العَالَمِيْنَ، و"هَلْ جَزَاءُ الإحْسَانِ إلاَّ الإحْسَانُ"؟!، وحَسْبِي قَوْلُه صَلَّى اللهُ عَلَيْه وسَلَّمَ:"لا يَشْكُرُ اللهَ مَنْ لا يَشْكِرِ النَّاسَ"التِّرْمِذِيُّ، وهُوَ تَصْدِيْقُ قَوْلِهِ تَعَالَى:"وَقَلِيْلٌ مِنْ عِبَادِي الشَّكُوْرُ"!
نَعَمْ؛ قَدْ يَكْتُمُ بَعْضُ الشَّاكِرِيْنَ شُكْرَهُم حَالَ حِرَاكِ المَشْكُوْرِيْنَ، رَجَاءَ حَاجَةٍ فِي نُفُوْسِهِم، أو غَيْرَ ذَلِكَ!؛ أمَا وَقَدْ أُسْلِمَ المُتَفَضِّلُ فِي قَبْرِهِ، أو سُجِّيَّ فَوْقَ نَعْشِهِ؛ فَحِيْنَئِذٍ لا، يَوْمَ لا خَوْفَ ولا رَجَاءَ عِنْدَ مَنْ لا حِرَاكَ لَهُ؛ إلاَّ مِنَ الحَيِّ الَّذِي لا يَمُوْتُ (سُبْحَانَهُ) !
(يُتْبَعُ)